من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة

من السودان إلى باب المندب: خريطة الصراع واحدة

المغرب اليوم -

من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة

عثمان ميرغني
بقلم : عثمان ميرغني

ما يجري في السودان ليس حرباً داخلية بالمعنى التقليدي للكلمة، فالبعد الخارجي كان حاضراً فيها منذ اندلاعها، وتداعياتها الإقليمية لم تكن خافية على أحد.

في بدايات الحرب، سادت مقاربة مريحة لتبسيط المشهد، بوصفه خلافاً بين شركاء مرحلة انتقالية، أو نتيجة اختلال توازنات سياسية وعسكرية. هذا التوصيف لم يكن بريئاً. فالواقع أن طبيعة الصراع في جوهرها يمكن فهمها بوصفها صراعاً بين نموذج الدولة، ونموذج القوة المسلحة التي تعمل خارج منطقها، وتبني شرعيتها من السلاح والتمويل الخارجي والتجنيد الأجنبي.

السودان في هذا السياق ليس مجرد ساحة داخلية معزولة، بل عقدة جيوسياسية حساسة. ولا يمكن اختزال الحرب فيه بوصفها صراعاً على السلطة أو الموارد فحسب، بل يجب فهمها بوصفها معركة على الموقع. فالسودان يتوسط الحزام الرابط بين العالم العربي وأفريقيا، ويقع في قلب منطقة تماس جيوسياسي مع قوتين وازنتين في العالم العربي اليوم، هما السعودية ومصر. ومن يسعى إلى تطويق هاتين الدولتين أو تقليص هامش نفوذهما الإقليمي، لن تكتمل مخططاته من دون إشعال السودان، ومحاولة السيطرة عليه، واتخاذه نقطة قفز لاستكمال المشروع في صراع جيو - استراتيجي يتجاوز حدوده بكثير.

الخرائط هي مفتاح فهم التحركات الجيوسياسية. فبعيداً عن العوامل الداخلية، من أراد استيعاب أبعاد التطورات من السودان إلى اليمن والصومال، لا يحتاج سوى إلى تأمل الخريطة، وقراءة شبكة المصالح والمطامع التي تعمل على إشعال المنطقة، والسيطرة على مقدراتها، وإعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات، وفرض واقع جديد في البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي.

وإذا نُظر إلى الحرب في السودان من زاوية وجود جهة تسعى إلى تعزيز واستخدام قوة مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة، وتهدد وحدة البلد، وتحاول السيطرة على الموارد والمنافذ الاستراتيجية، وتحويل البلد إلى ساحة ابتزاز إقليمي، فإننا سنرى استنساخاً للمشهد في تطورات اليمن والصومال الأخيرة.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في فتح جبهة اقتتال، بل في تطبيع فكرة وجود قوة مسلحة خارج سيطرة الدولة تُعامل كأنها طرف سياسي شرعي، أو كأنها حقيقة دائمة لا يمكن تجاوزها. هذا المسار، إن اكتمل، يعني نهاية مفهوم السيادة بمعناه العملي.

نجاح مشروع تمكين قوة مسلحة من الدولة في السودان، أو ترسيخ كيان لها على رقعة من الأرض، سيجعله نموذجاً قابلاً للاستنساخ في ساحات أخرى تعاني هشاشة مشابهة. حين تُكافأ القوة الخارجة عن الدولة، أو يُغضّ الطرف عن تمددها، فإن الرسالة التي تصل إلى المنطقة واضحة: التفكيك أداة تفاوض، والفوضى خيار قابل للاستثمار. هذه الرسالة، إن تُركت دون ردع، ستعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، وبتكلفة أعلى على الجميع.

اللحظة الحالية بالغة الحساسية لأنها تتزامن مع مرحلة إعادة ترتيب شاملة في المنطقة. فهناك من يسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والجغرافيا عبر زراعة الفوضى، وهو ما يجعل الوعي بأهمية تثبيت الاستقرار، ودعم وحدة الدولة وسيادتها، مسألة تتجاوز الشأن السوداني إلى الإقليم بأكمله. لقد أثبتت نماذج التفكيك فشلها، كما أن التعامل مع الميليشيات بدائل للدولة لم ينتج سوى مزيد من الفوضى.

المواني الواقعة على البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي تحولت إلى نقاط ارتكاز في معركة النفوذ، حيث يجري الربط بين الأمن والاقتصاد والسياسة في نموذج واحد، يُقصي الدولة الوطنية ويُضعف قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل. وفي هذا الإطار، يصبح تفكيك الجيوش النظامية أو إنهاكها، وصعود قوى مسلحة موازية، مدخلاً عملياً للسيطرة غير المباشرة على الجغرافيا دون تكلفة الاحتلال التقليدي.

السودان، بحكم موقعه وساحله وإمكاناته، يمثل حلقة لا يمكن تجاوزها في هذا المخطط. فتركه في حالة سيولة أمنية، أو تحويله إلى دولة ضعيفة منقسمة النفوذ، يفتح المجال لفرض ترتيبات إقليمية جديدة في البحر الأحمر، لا تُراعي بالضرورة مصالح دوله المطلة ولا أمنها القومي. ومن هنا، فإن ما يجري في السودان لا يمكن فصله عن سباق النفوذ الجاري في الممرات البحرية، ولا عن محاولات خلق وقائع جديدة تُدار بمنطق الأمر الواقع، لا بمنطق القانون الدولي أو السيادة الوطنية.

في هذا السياق، يتحول السودان إلى اختبار حقيقي: هل يُعاد تثبيته بصفته دولة موحدة قابلة لإعادة البناء، أم يُترك لينزلق كأنه نموذج آخر للتقسيم والفوضى القابلة للتعميم؟

ما يحتاج إليه السودان اليوم ليس وساطات تُبقي جذور الأزمة قائمة، أو حلولاً تُساوي بين الدولة ومن ينازعها وجودها. ما يحتاج إليه هو مقاربة واضحة تعيد الاعتبار لمبدأ بسيط لكنه حاسم: لا استقرار دون دولة، ولا دولة دون احتكار السلاح والقرار السيادي. هذا يتطلب دعماً صريحاً لوحدة الأراضي، ووقف الدعم الخارجي بالسلاح والمال لـ«الدعم السريع»، ورعاية مسار سياسي لا يُكافئ من يريد فرض نفسه بالقوة، بل يعيد بناء المؤسسات على أسس وطنية، مهما كان الطريق صعباً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة



GMT 18:14 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

بلد بثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي

GMT 18:05 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

2026 مفصليّة لسوريا والمنطقة؟

GMT 18:03 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

تنظيم الفوضى

GMT 18:00 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً

GMT 17:58 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

على هامش عمليّة كراكاس...

GMT 17:55 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... عام ترمب بدأ مُزَلزِلا

GMT 17:51 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا ــ الكاريبي... واستراتيجية البحار السبعة

GMT 17:49 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 20:03 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

ترامب يؤكد روسيا والصين لا تخشيان الناتو بدون أميركا
المغرب اليوم - ترامب يؤكد روسيا والصين لا تخشيان الناتو بدون أميركا

GMT 14:33 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج
المغرب اليوم - نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج

GMT 00:00 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

أرتال قوات درع الوطن تصل إلى عدن اليمنية
المغرب اليوم - أرتال قوات درع الوطن تصل إلى عدن اليمنية

GMT 23:26 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

التايمز تكشف سيناريوهات السيطرة الأميركية على غرينلاند
المغرب اليوم - التايمز تكشف سيناريوهات السيطرة الأميركية على غرينلاند

GMT 20:58 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 03:04 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

انتقال كوكب الحب إلى برج العقرب المائي في كانون الأول

GMT 00:45 2019 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

المطربة سميرة سعيد تغني تتر مسلسل مغربي للمرة الأولى

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 12:42 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

اللاعب نذير بلحاج ينضم إلى السيلية القطري

GMT 04:06 2021 الثلاثاء ,04 أيار / مايو

البوسنة والهرسك وجهة السياحة في رمضان

GMT 17:26 2019 الإثنين ,23 كانون الأول / ديسمبر

زياش يحصد ثمار تألقه بعد سحق إيدو دين هاغ بـ6 أهداف

GMT 07:00 2015 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

معارك شرسة في لندن حول خطة بناء مسجد أكبر من الكاتدرائية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib