العودة للسودان خيار الضرورة لا الرفاهية

العودة للسودان: خيار الضرورة لا الرفاهية

المغرب اليوم -

العودة للسودان خيار الضرورة لا الرفاهية

بقلم: عثمان ميرغني

خلال مكالمات عدة مع سودانيين في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، سمعت منهم عن توقعاتهم بتسارع وتيرة العودة إلى السودان، الذي غادروه بسبب ظروف الحرب. يأتي ذلك بالتزامن مع الإعلان عن تدشين جولة جديدة من برنامج العودة الطوعية، الذي توفره الحكومة السودانية وبعض المؤسسات ورجال الأعمال مجاناً للراغبين.

هذه التوقعات لا تأتي من فراغ، بل من معطيات حقيقية جعلت كثيرين يتوصلون إلى قناعة بأن العودة أصبحت خيارهم، رغم كل الظروف والتحديات. فحياة المهاجر التي طالت أكثر من توقعاتهم أصبحت تكلفتها فوق طاقتهم، وطاقة من كانوا يساعدونهم من المغتربين الذين يواجهون بدورهم ظروفاً معقدة، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية وتداعياتها الواسعة على دول المنطقة واقتصاداتها، بل على الاقتصاد العالمي كله.

وكانت السلطات بولاية الخرطوم قد ذكرت أن أكثر من 3 ملايين نازح ولاجئ عادوا إلى الولاية، أكثرهم ممن كانوا قد غادروا إلى الولايات المجاورة، وإلى بورتسودان. ووفقاً للتقديرات، فإن عدد سكان الولاية بمحلياتها المختلفة وصل إلى نحو 8 ملايين، نسبة كبيرة منهم في محلية كرري التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين خلال الحرب، ولا تزال تستقبل أعداداً من العائدين الذين يجدون فيها ظروف حياة أفضل من مناطق أخرى في العاصمة، لا تزال تعاني من آثار دمار الحرب، وتعطل الخدمات الضرورية.

هذه العودة ليست مجرد رقم بلا معنى، بل علامة تحمل قدراً من الأمل نحو تسارع وتيرة استعادة الحياة في العاصمة وضواحيها، وفي ولايات أخرى عانت من آثار تمدد «قوات الدعم السريع» فيها، قبل إجبارها على الانسحاب منها.

صحيح أن التحديات والصعوبات موجودة مع آثار الحرب التي تدخل بعد أيام عامها الرابع. لكن ما يحدث اليوم يعكس إرادة قوية لدى كثير من السودانيين في العودة إلى ديارهم، وإعادة بناء حياتهم من جديد في الولايات التي أصبحت آمنة. فالعودة، في جوهرها، ليست انتقالاً جغرافياً فقط، بل تعبير عن رفض الاستسلام لواقع النزوح واللجوء، وعن التمسك بالوطن والانتماء.

هناك بالتأكيد من يحاولون تثبيط همم الراغبين في العودة وثنيهم عن ذلك لأسباب سياسية، لأنهم يرون العودة «انتصاراً» للحكومة، وهي نظرة ضيقة تعكس حجم التسييس والصراع الذي طال كل شيء، ولم تبق فيه حدود تراعي الوطن أو المواطن. وهناك أيضاً من يحاولون التبرير لأنفسهم، لأنهم لا يريدون العودة وترك حياة يرونها مريحة مقارنة بالصعوبات التي ستواجههم في السودان، وهؤلاء يفضلون المغامرة بترك بيوتهم عرضة للنهب والخراب، الذي يزداد كلما بقيت البيوت فارغة بلا حياة.

في ظل هذه الأجواء ينشر البعض الشائعات أو يضخمون القصص التي ترمي لبثّ الشكوك في أذهان الذين يفكرون في العودة. لذلك حرص رئيس الوزراء كامل إدريس مع عدد من الوزراء والمسؤولين على التوجه هذا الأسبوع إلى معبر أشكيت بوادي حلفا لتفقد الخدمات للعائدين من مصر، وللنظر في ما تردد عن مخالفات وفرض «جبايات» غير قانونية. ومن هناك أعلن رئيس الوزراء ووزير العدل ووالي الولاية الشمالية ومدير الجمارك عدم وجود أي رسوم أو ضرائب على العودة الطوعية، مؤكدين أن الأمتعة الشخصية للعائدين مشمولة بالإعفاء الجمركي، وذلك رداً على ما انتشر عن أن العائدين يواجهون تعقيدات في المعابر وتُفرض عليهم رسوم مرهقة بلا أي سند رسمي.

لماذا تبقى العودة ضرورية رغم الصعوبات؟

قد تبدو العودة خياراً غير سهل لأن البلد ما زال يجاهد من أجل استعادة الحياة في ظروف الحرب المستمرة. لكن عند التعمق في واقع كثيرين، تتضح حقيقة أساسية: العودة ليست رفاهية، بل ضرورة تفرضها عوامل إنسانية واقتصادية واجتماعية معقدة.

أول هذه العوامل هو البعد الإنساني العميق المرتبط بالانتماء، وبنزعة الاشتياق للجذور وللوطن الذي يمنح الإنسان الإحساس بالهوية والاستقرار النفسي. سنوات النزوح الطويلة لا تسرق الاستقرار فقط، بل تمزق الروابط الاجتماعية وتضعف تماسك الأسرة، وتدفع بكثيرين للعيش في أوضاع لا تليق بكرامتهم. من هنا، تصبح العودة محاولة لاستعادة شكل من أشكال الحياة الطبيعية، حتى إن لم تكن مكتملة.

إلى جانب ذلك، يفرض الواقع الاقتصادي نفسه بقوة. فالحياة في النزوح أو اللجوء غالباً ما تكون مكلفة وغير مستقرة، مع فرص محدودة للعمل والدخل. كثير من الأسر استنزفت مدخراتها، وأصبحت عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية أو الاستمرار في دفع تكاليف المعيشة المتزايدة مع واقع يصبح أكثر صعوبة.

لكن أهمية العودة لا تقف عند حدود الفرد والأسرة، بل تمتد إلى مستوى الدولة والمجتمع. فإعادة الإعمار لا يمكن أن تتم في غياب السكان أنفسهم. فالمنازل لا تُبنى لتظل فارغة، والخدمات لا تُستعاد دون مجتمع يستفيد منها ويطالب بها. من هنا، لا تصبح العودة دعماً للوطن فقط، بل شرطاً ضرورياً لتعافيه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العودة للسودان خيار الضرورة لا الرفاهية العودة للسودان خيار الضرورة لا الرفاهية



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 21:17 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:03 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 09:35 2022 الثلاثاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الفن وتهذيب السلوك والاخلاق

GMT 23:11 2021 الجمعة ,15 تشرين الأول / أكتوبر

أفضل الأماكن السياحية لقضاء شهر العسل في سويسرا

GMT 22:43 2014 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

تصويّرُ العروسيّن غيّر التقليّدي الأحدث والأفضل

GMT 07:55 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

"فيات كرايسلر" تستدعي حوالي 500 ألف شاحنة حول العالم

GMT 19:20 2023 الجمعة ,10 آذار/ مارس

بورصة البيضاء تستهل التداول بارتفاع طفيف

GMT 23:31 2022 السبت ,02 إبريل / نيسان

بايدن يهنئ المسلمين بحلول رمضان بآية قرآنية

GMT 06:58 2021 الثلاثاء ,20 تموز / يوليو

مانهارت تجري تعديلات على لاند روفر Defender
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib