السودان سلام مؤجل في متاهة الإقصاء

السودان... سلام مؤجل في متاهة الإقصاء!

المغرب اليوم -

السودان سلام مؤجل في متاهة الإقصاء

بقلم:عثمان ميرغني

في أجواء تطغى عليها الخلافات التي برزت في المواقف والتصريحات خلال الأيام القليلة الماضية، انتظمت مجموعة من القوى السياسية السودانية في اجتماعات تشاورية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تستمر من 3 إلى 5 يونيو (حزيران) الجاري، بهدف معلن يتمثل في محاولة دفع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، وإطلاق عملية سياسية جديدة.

لكن الحقيقة أن هذه الاجتماعات التي تنظمها «الآلية الخماسية» (الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة إيقاد) تبدو فرص نجاحها محدودة بالنظر إلى مخرجات محاولات متفرقة سابقة، وحجم الانقسامات الحادة بين القوى السياسية، وتغييب بعض الأطراف الفاعلة، ومحاولة تهميش الجيش، فضلاً عن هيمنة عقلية الإقصاء، وافتقار معظم المشاركين إلى تفويض شعبي حقيقي.

فمنذ اندلاع الحرب عُقدت عشرات الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات، لكنها ظلت تدور في حلقة مفرغة، وبقيت في معظمها مجرد منابر للخطابات والتصريحات من دون تأثير ملموس على الأرض.

وتتغذى هذه الحلقة المفرغة على عوامل جوهرية عدة في مقدمتها أزمة التمثيل والشرعية. فمعظم القوى السياسية المشاركة تعاني انقسامات داخلية حادة، وتفتقر إلى تفويض شعبي حقيقي، ما يجعل مشاركتها أقرب إلى محاولة البقاء على الخريطة السياسية منها إلى البحث الجاد عن إنهاء الحرب.

كما أن المواقف المتضاربة أو الملتبسة إزاء طرفي الحرب تزيد المشهد تعقيداً في وقت لا يحتمل الضبابية. وفي ظل انعدام الثقة، ليس مستغرباً أن ينظر الجيش السوداني إلى هذه الاجتماعات باعتبارها محاولة للالتفاف وتهميشه، وبالتالي يرفضها.

وتزداد الشكوك مع الاعتقاد السائد لدى قطاعات من السودانيين بأن بعض هذه الاجتماعات تستخدم أحياناً باعتبارها غطاء لترتيبات إقليمية أو لترتيب النفوذ بين أطراف خارجية تتقاطع مصالحها في السودان، أكثر من كونها منصات مكرسة لصناعة سلام حقيقي ومستدام.

وفي نهاية المطاف، ورغم البيانات الختامية المتكررة، يظل الغائب الأكبر هو آلية التنفيذ. فالتوصيات تُعلن، والجولات تتوالى، بينما تواصل الحرب فرض إيقاعها الخاص على الواقع السوداني.

هل هناك مخرج من هذه الحلقة المفرغة؟

نعم، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية وإقراراً صريحاً بأن الإقصاء المسيطر على المشهد ليس مجرد عقبة أمام الحل، بل أحد الجذور العميقة للأزمة السودانية المزمنة. فقد أسهم هذا النهج في خلق الأجواء التي قادت البلد إلى الحرب، وهو يساهم اليوم في إطالة أمدها. فعلى المستوى السياسي جعلت بعض الأطراف، مثل مجموعة تحالف «صمود» إقصاء الإسلاميين مطلباً مركزياً، بينما يرد الإسلاميون وأنصارهم بالمثل ويحاولون إقصاء خصومهم، وإبعادهم عن أي تسوية محتملة، وهكذا يتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، حيث يسعى كل طرف إلى إلغاء الآخر، وكأن نجاح أي حل مرهون باختفاء الخصم بالكامل. غير أن تجارب السودان، وتجارب دول أخرى مرت بصراعات مشابهة، تؤكد أن الإقصاء الشامل ليس وصفة للاستقرار، بل طريق لإعادة إنتاج الأزمات.

إن استمرار معادلة «إما نحن أو هم» يجعل الحديث عن تسوية شاملة مجرد وهم، ويحول كل مبادرة سياسية إلى معركة جديدة. وإذا بقي إقصاء الآخر شرطاً للحوار، فستظل الحرب بالنسبة إلى كثيرين وسيلة للبقاء في المشهد.

من هنا يبدأ الحل الواقعي بالاعتراف بأن لا أحد يستطيع احتكار السودان، وأن الشعب وحده هو صاحب الحق في أن يقصي أو يأتي بمن يريد عبر صناديق الاقتراع، في إطار نظام يقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة، لا على الاحتكام إلى السلاح.

بصورة أكثر وضوحاً، فإن الخروج من الأزمة يتطلب وقف شروط الإقصاء المسبقة، والقبول بحوار وطني شامل لا يستثني أحداً. كما يتطلب التوافق على مبدأ العدالة والمحاسبة، بحيث يُحاسب المتورطون في جرائم الحرب والفساد وفق القانون، من دون تحويل الانتماء الفكري أو السياسي إلى تهمة بحد ذاتها. فالسودان يحتاج الآن إلى بناء «هوية سياسية انتقالية» تؤجل خلافات طبيعة الدولة المدنية أو الدينية إلى مرحلة لاحقة عبر جمعية تأسيسية منتخبة، والاكتفاء في الوقت الراهن بالتوافق على ميثاق مبادئ يحمي الحقوق والحريات، ولا يفرض وصاية قسرية. وهذا بدوره يتطلب من الجميع الانتقال من شرط «أنا أولاً» إلى مفهوم «الوطن أولاً».

السودان بحاجة إلى مقاربات واقعية وحلول تضع مصلحة البلد فوق الحسابات الحزبية والآيديولوجية. فالبلد يواجه حرباً استثنائية بكل المقاييس، في ظل تدخلات خارجية لم تعد خافية على أحد. هذه المرحلة تتطلب وضوحاً في المواقف، وتشبثاً بالثوابت الوطنية، ودفاعاً عن وحدة السودان وسيادته، ورفض التدخلات الخارجية المؤججة للحرب بهدف إضعاف الدولة أو تقسيمها.

وفي النهاية، فإن أي تسوية قابلة للحياة لا بد أن تكون سودانية المنشأ والقرار. فالمجتمع الدولي يستطيع أن يساعد ويدعم، لكنه لن يستطيع أن يصنع سلاماً حقيقياً نيابة عن السودانيين. وهذا يعني أن الخيارات المصيرية مثل كيفية إنهاء الحرب، وشكل السلطة المقبلة، ومستقبل حاملي السلاح، تتخذ من داخل السودان... وبإرادة سودانية خالصة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان سلام مؤجل في متاهة الإقصاء السودان سلام مؤجل في متاهة الإقصاء



GMT 04:55 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

أهليون

GMT 04:54 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الحروب والكروب و«شرّاي الطلايب»

GMT 04:53 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

إلى متى المسموح لإيران ممنوع على لبنان؟!

GMT 04:52 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الممر الخفي داخل هرم خوفو

GMT 04:51 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

عقولنا نعم تضمر!

GMT 04:50 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

ليس أقل من أضعف الإيمان مع الكويت

GMT 04:43 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

المونوريل

GMT 05:30 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

ترمب يؤنب

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ المغرب اليوم
المغرب اليوم - نواف سلام يؤكد تعنت إسرائيل في المفاوضات مع لبنان

GMT 17:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 13:22 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

الحرب على الديمقراطية

GMT 09:26 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

عصام جعفري من المغرب يحقق لقب "توب شيف العالم العربي"

GMT 12:47 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

كاظم الساهر وماجد المصري يتألقون علىcbc في "مدرسة الحب"

GMT 13:19 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

وكيل وزارة الدفاع الإماراتي يلتقي السفير الهندي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib