نهاية حضارة

نهاية حضارة

المغرب اليوم -

نهاية حضارة

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

قبل أكثر من 5200 سنة نشأت على ضفاف النيل في مصر مدن حضارية عظيمة تتوفر فيها كل أركان المدينة؛ من وجود نظام حكم داخلي على رأسه حاكم يدير شؤون مدينة الحكم ومناطق نفوذها، والتي هي عبارة عن عدد من القرى الزراعية الخاضعة إدارياً واقتصادياً للمدينة. كانت تلك هي آخر إرهاصات بداية التوحيد السياسي والإداري والاقتصادي لتلك المدن الحضارية ونشأة الدولة. هنا تتجلى العبقرية المصرية لأبطال جهود التوحيد وظهور حضارة دولة للمرة الأولى على كوكب الأرض! لقد استغل أبطال التوحيد -منهم قادة لا نعرف أسماءهم، وآخرون لا نعلم على وجه التأكيد ترتيب وجودهم وفترات حكمهم- استغلوا وحدة اللغة والعِرق والدين التي كانت موجودة بين دويلات المدن في شمال مصر وجنوبها لنجاح فكرة التوحيد وقيام دولة مصر القديمة.

توحدت مدن الدلتا أولاً تحت لواء مدينة بوتو (تل الفراعين حالياً) وبدأت في السعي نحو ضم الجنوب الذي كان هو الآخر قد شارف على تكوين وحدة تحت لواء مدينة «ثيني أو طيني» بالقرب من مدينة أبيدوس. وعلى الرغم من أن إرهاصات الوحدة الأولى من الشمال إلى الجنوب لم يكتب لها الاستمرار فإن تلك الوحدة التي قادها ملوك الجنوب قد تكللت أخيراً بالنجاح، وظهر للمرة الأولى ملك مصري يضع على رأسه التاج المزدوج لعنصري الدولة الموحدة الشمال والجنوب؛ الدلتا والصعيد. وينسب فضل التأسيس إلى ملك مصر الأول حور عحا -حورس المحارب- من دون تقليل من جهود أسلافه.

مع ميلاد الدولة الموحدة تم بعبقرية سياسية فاقت الحدود اختيار موضع العاصمة السياسية الجديدة للدولة المصرية عند نقطة التقاء الشمال والجنوب وبنيت إينب حدج -الجدار الأبيض- في الموضع الذي لا يبعد كثيراً اليوم عن قرية ميت رهينة بمحافظة الجيزة. وقد تغير الاسم إلى «من نفر» بمعنى الأثر الجميل وصارت عند العرب منف، وعند اليونانيين ممفيس.

كتب لهذه الحضارة الناشئة الاستمرار بفضل التطور المستمر والابتكار والتميز الذي كان هو منهج الفراعنة طوال عصورهم. كل فرعون يريد أن يخلد اسمه بعمل يبقى على الأرض ويذكر به. وكان البناء والتشييد هو المجال والسبيل للبقاء والخلود وكانت عبارات «ابنِ لنفسك أو شيد لنفسك أو اعمل نفسك» من العبارات الأكثر شيوعاً في حياة المصريين القدماء عامةً وليس الملوك فقط. كان تخليد الذكرى يأتي بالعمل والإنجاز وكان قانون «الماعت»، ويعني الحق والعدل والنظام هو السائد طوال التاريخ المصري القديم.

حضارة كهذه لم تكن لتنهار وتنتهي بين عشية وضحاها إلا بأمر من السماء، وهو ما لم يحدث لكنها سنّة الحياة، ولأن قانون الدوام لا ينطبق على مخلوق من مخلوقات الله كان لا بد من نهاية للحضارة المصرية القديمة، ولكن كيف تنهار حضارة راسخة في عمق الزمان بنيت على أسس ثابتة من وحدة اللغة والدين والعِرق، والأهم وحدة الفكر والمنهج؟ كان لا بد أن تأخذ النهاية وقتاً طويلاً لكي تكتب، ومع مصر ظلت تلك النهاية تكتب لأكثر من ألف سنة هي الألف الأخيرة من عمر الدولة المصرية القديمة الموحدة قبل 3200 قبل الميلاد. وخلال تلك الألف سنة كانت مصر تظهر المقاومة وتحاول استعادة المجد تارة بعد أخرى، لكنها سُنَّة الحياة ودورة الحضارة التي لا بد أن تأخذ مجراها. فلم تكن عوامل الضعف قد نشأت فقط من داخل المجتمع المصري القديم، بل كانت هناك قوى حضارية شابة جديدة وعفيَّة بدأت تظهر على المسرح العالمي في الشرق الأدنى القديم وما جاوره، وكان لا بد لهذه القوى الناشئة أن تأخذ حظها من التطور والسيطرة، وبالتالي كتبت كلمة النهاية في عام 322 قبل الميلاد بدخول الإسكندر المقدوني إلى مصر وإعلان نفسه ملكاً على مصر، ووضع على رأسه تاجي التوحيد الذي ارتداهما الملك العظيم حور عحا قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة على ميلاد الإسكندر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نهاية حضارة نهاية حضارة



GMT 15:07 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

الإيراني الحائر والمحير

GMT 15:05 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

الأذرع بين نداء الآيديولوجيا ومصالح الذات

GMT 15:03 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

عن الحرب والنظر إلى العالم...

GMT 15:00 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

ليانا... ومنطقة حروب بلا نهاية

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

إيران... هل هو زمن خريف النظام الثيوقراطي؟

GMT 14:56 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

مشروع عربي لا بد منه؟

GMT 14:54 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

اليوم الثانى ….!

GMT 14:50 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

(اتنين غيرنا) نغمة درامية شجية!!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 09:11 2020 الجمعة ,24 تموز / يوليو

بذور الشيا لشعر مموج وصحي

GMT 17:41 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib