مكانة أصحاب الهمم عند الفراعنة

مكانة أصحاب الهمم عند الفراعنة

المغرب اليوم -

مكانة أصحاب الهمم عند الفراعنة

بقلم : زاهي حواس

لم تتقدم مصر القديمة على سائر الأمم وتبنِ حضارة إنسانية عظيمة من فراغ! لقد قامت تلك الحضارة المتفردة في الأساس على مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي اتخذها المصريون القدماء ناموساً ليس فقط لحياتهم ولكن لما بعد مماتهم. سُمي هذا القانون أو إن شئنا سمّيناه في جذر الحضارة الـ«ماعت» وتعني الحق والعدل والنظام. ويكفي أن نعلم أن إيمان المصريين بأن تلك القواعد الأخلاقية هي النظام المثالي لبناء حياة مستقيمة كان عميقاً، حتى وإن لم يلتزم به كل أفراد المجتمع وبعض حكامه في بعض الفترات التي أرجعها المصريون أنفسهم إلى اختلال ميزان «الماعت»، وسيطرة قوى الشر على الخير. فكان السبيل الوحيد لتصحيح الأوضاع وانضباط الكون مرة أخرى هو العودة إلى «الماعت» والتمسك بمبادئه.

وانطلاقاً من قانون «الماعت» لم يكن المصريون القدماء يفرقون بين البشر على اختلاف أجناسهم أو هيئاتهم. فكانت وجهة نظرهم هي أن كل البشر من صنع الإله الخالق الذي صورهم جميعاً. والدليل على ذلك أن كتب الموتى تعترف بأن الجنة ليست فقط حكراً على المصريين، وإنما ينالها الخيريون ممن خلقهم الإله سواء كانوا مصريين أو أفارقة أو آسيويين أو ليبيين، وتلك هي الأجناس الأربعة التي عرفها المصري القديم، ونجدهم مصورين على جدران المقابر في وادي الملوك وهم يسيرون جنباً إلى جنب نحو قاعة المحاكمة في العالم الآخر.

وبالمفهوم الراقي نفسه كان المصري القديم يعتقد أن الإله الخالق يصدر أوامره إلى خنوم الجالس على عجلة الفخراني ليشكل المولود الجديد ذكراً كان أم أنثى، طويلاً كان أم قصير القامة، سليم البنية والحواس أم من أصحاب الهمم. كان كل شيء عند المصري القديم يعود إلى حكمة الخالق، ولذلك كان التسامح والقبول والرضا من أساسيات العبادة والطاعة. لم يكن هناك أي عقاب مجتمعي لمن ولد أعمى لا يرى فقد أدرك المصريون منذ أقدم عصورهم أن اختفاء أو نقص حاسة تجعل حواس أخرى أكثر قدرة ومهارة! فمن فقد البصر فعنده مهارة الحفظ جبارة. وكذلك لاحظوا أن كثيراً منهم يتمتع بحلاوة الصوت وحسن تذوق الموسيقى. ولا عجب أن نرى معظم المغنين في مصر القديمة من فاقدي البصر. وتمتع هؤلاء بمكانة اجتماعية كبيرة ونجد صورهم وهم ينشدون الأغاني على أعذب الألحان عاملاً مشتركاً في مناظر الحياة اليومية على جدران المقابر. وكان المغني فاقد البصر هو المفضل لدخول بيوت المصريين في الاحتفالات والولائم الخاصة، وذلك لأنه لن يسبب أي حرج لأهل المنزل من سيدات وحريم من باب الاحتشام والتحفظ الموجود عند الفراعنة منذ أقدم العصور.

ونقيس على ما سبق كل من ولد من أصحاب الهمم، حيث كان المجتمع الفرعوني يتقبله ويدمجه ويوظفه بما يتلاءم مع وضعه وظروفه الخاصة. ومثال على ذلك نرى على جدران المقابر نماذج عديدة من أصحاب الهمم، ومنهم من يعمل في رعي الماشية ومنهم من يعمل في شؤون الغلال، وآخرون يعملون في الصناعات التي تلائم مهاراتهم. وفي مصر القديمة، تمتع الأشخاص ذوو القامة القصرة بمكانة اجتماعية مرموقة ومحترمة بشكل ملحوظ، على عكس العديد من الحضارات القديمة الأخرى. حيث عدّهم المصريون القدماء هبه إلهية وارتبطوا بكل من بس – رب المرح والسرور، وبتاح – رب الصناعة والفن، وكان يتم توظيفهم في مناصب مهمة في البلاط الملكي والعائلة المالكة، كما كانوا أمهر الصاغة وصناع الحلي لدقة أناملهم ومهاراتهم في صناعة المجوهرات، كما عملوا مربين للأطفال الملكيين، وشغلوا مناصب حراس للمجوهرات الملكية، وعملوا كذلك في مجال الترفيه والرقص، كذلك امتهنوا العديد من الحرف اليدوية. وتظهر النقوش والتماثيل قصار القامة في أوضاع محترمة. ومنهم من تزوج من نبيلات من البيت المالك مثل الشهير سنب. ودفن بعضهم في مقابر متميزة قرب الأهرامات، مما يدل على مكانتهم الرفيعة، وقد كشفت عن مقبرة أحدهم من الدولة القديمة بجوار الأهرامات ويدعى بر ني عنخو، وكان من ضمن ألقابه «مُسلي الملك» وحرفياً «الذي يسعد قلب مولاه». ولقد ورد ذكر قصار القامة في النصوص المصرية القديمة بألقاب تشريفية. لقد كان الاعتقاد السائد أنهم يجلبون الحظ السعيد ويتمتعون بحماية خاصة من الإله الخالق، مما منحهم مكانة فريدة في المجتمع المصري القديم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مكانة أصحاب الهمم عند الفراعنة مكانة أصحاب الهمم عند الفراعنة



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 11:36 2020 الثلاثاء ,28 كانون الثاني / يناير

الإسباني "بيدرو بنعلي" يتولى تدريب اتحاد طنجة

GMT 23:38 2019 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن خليفة مدرب أرسنال الجديد بعد انهيار الفريق

GMT 03:53 2019 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

"جيمبالا" تستعد لإطلاق سيارة بمحركات بنزين بـ12 أسطوانة

GMT 19:14 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

النادي القنيطري يعرض العاني على اللجنة التأديبية

GMT 11:58 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات جلسات خارجية في الهواء الطلق لمواجهة الملل

GMT 10:32 2018 الثلاثاء ,13 شباط / فبراير

مروة عبد البديع تكشف عن عروسة عيد الحب

GMT 10:45 2017 الخميس ,29 حزيران / يونيو

رشا نبيل تعود إلى شاشة "دريم" الخميس المقبل

GMT 21:07 2017 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية في سلا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib