حق السماح بالموت الطبيعى

حق السماح بالموت الطبيعى

المغرب اليوم -

حق السماح بالموت الطبيعى

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

وصلتنى رسالة من د. علاء أبوستة أستاذ طب السمع والاتزان بطب قناة السويس، ومدير المستشفى التخصصى السابق، يطرح فيها موضوعاً فى منتهى الأهمية، وأعرف أنه سيثير الجدل، لكن لا بد من طرح تلك الأفكار، لأن الغرض لمن يطرحها هو الصالح العام، وما دام الطرح علمياً، وما دمنا لا نخترع من أمخاخنا تجارب غير مسبوقة، الموضوع هو عما يسمى فى الطب «حق السماح بالموت الطبيعى»، يقول د. علاء فى رسالته:

«أكتب عن كرامة الجسد فى الساعات الأخيرة: لماذا نحتاج لقانون «السماح بالموت الطبيعى»؟، يواجه الأطباء وعائلات المرضى خلف أبواب غرف الرعاية المركزة فى مصر معضلة أخلاقية وإنسانية شديدة القسوة؛ تاريخ

عندما يصبح التطور الطبى وبيروقراطية النصوص القانونية عبئاً يُثقل أجساد المرضى الميؤوس من شفائهم، نتحدث هنا عن لحظات الاحتضار الختامية لمرضى السرطانات المتأخرة، أو الفشل العضوى الكامل، حيث تتحول التدخلات الطبية الهجومية— كالإنعاش القلبى الرئوى العنيف بالصدمات وضغط الصدور— من وسائل لإنقاذ الحياة إلى أدوات لإطالة أمد المعاناة، وكسر الضلوع، وتهشيم الكرامة الإنسانية لجسدٍ يقضى أمره الطبيعى، إن غياب إطار تشريعى واضح ينظم بروتوكول «السماح بالموت الطبيعى» (Allow Natural Death) أو أوامر «عدم الإنعاش» (DNR) فى القانون المصرى ولائحة آداب مهنة الطب، يضع الطبيب بين مطرقة القسم المهنى وسندان المسؤولية الجنائية. يجد الطبيب نفسه مجبراً على خوض معركة طبية خاسرة سلفاً، مستنزفاً موارد العناية المركزة وأسرّتها التى قد تنقذ مريضاً آخر يمتلك أملاً حقيقياً فى النجاة، فقط خوفاً من الملاحقة القانونية بتهمة التقصير.

لذلك، بات من الضرورى والملحّ فتح نقاش مجتمعى وطبى وتشريعى موسع يرفع الحرج عن الجميع. إننا بحاجة إلى صياغة مقترح تشريعى جاد لتعديل قانون الممارسة الطبية،

وتطوير لائحة آداب مهنة الطب الصادرة عن النقابة العامة للأطباء، ليتضمن نصوصاً صريحة تفصل بدقة بين «الموت الرحيم الإيجابى» المجرم قانوناً وشرعاً، وبين «الامتناع عن الإنعاش غير المجدى» الذى يترك الجسد لرحيله الطبيعى بسلام وأمان. هذا التعديل التشريعى لا يعنى مطلقاً التخلى عن المريض أو رفع الرعاية عنه؛ بل يعنى تحويل بوصلة الطب بالكامل نحو الرعاية التلطيفية المستمرة (Palliative Care)، عبر تكثيف مسكنات الألم، والحفاظ على رطوبة الجسد ونظافته، ومنع التهيج والاضطراب، وضمان أعلى درجات السكينة. إن الموت حق طبيعى كما أن الحياة حق؛ وصون كرامة المريض فى ساعاته الأخيرة هو أسمى مراتب الإنسانية والرحمة التى دعت إليها الأديان والشرائع السماوية. لقد حان الوقت لكى يواكب تشريعنا الطبى هذه الحقيقة، حمايةً للأطباء، وصوناً لكرامة أجساد أحبائنا عند المآل الأخير».

انتهت رسالة د. علاء ولا بد من توضيح بعض المصطلحات حتى يصبح النقاش مجدياً وواضحاً، وليس حوار طرشان، السماح بالموت الطبيعى Allow Natural Death (AND) يعنى أن يصل المريض إلى مرحلة نهائية لا يُرجى شفاؤها، فيُسمح للمرض بأن يأخذ مساره من دون استخدام وسائل إنعاش عنيفة نوعاً ما لا تقدم علاجاً حقيقياً، وإنما قد تطيل عملية الاحتضار، فى هذه الحالة لا يقتل الطبيب المريض،

ولا يعطيه دواءً بقصد إنهاء حياته؛ بل يتوقف عن مقاومة موت أصبح وشيكاً وحتمياً، قد يشمل ذلك قرار عدم الإنعاش القلبى الرئوى DNR إذا توقف القلب أو التنفس، أو عدم إدخال المريض إلى جهاز تنفس صناعى، أو وقف تدخلات ثبت أنها بلا جدوى، وفى الوقت نفسه لا تتوقف الرعاية:

يستمر تسكين الألم، وتخفيف الاختناق والقلق، والعناية بالفم والجسد، والدعم النفسى والأسرى والروحى، فالهدف يتحول من إطالة العمر بأى ثمن إلى توفير الراحة والكرامة، وهذا غير الموت الرحيم Euthanasia الذى هو تدخل مقصود ومباشر يقوم فيه الطبيب بإعطاء مادة تؤدى إلى وفاة المريض، بناءً على طلبه فى النظم التى تسمح بذلك، هنا تكون الوفاة هى النتيجة المقصودة من الفعل الطبى،

وليست مجرد نتيجة طبيعية للمرض، وهناك مفهوم ثالث مختلف هو المساعدة الطبية على الانتحار؛ إذ يصف الطبيب الدواء القاتل، لكن المريض هو الذى يتناوله بنفسه، ولذلك ينبغى عدم خلط المصطلحات الثلاثة، الفرق الأخلاقى الحاسم هو الفرق بين السماح لمرض قاتل بأن يأخذ مجراه، وبين إحداث الموت عمداً، كما أن إعطاء المسكنات القوية فى نهاية الحياة لا يُعد موتاً رحيماً ما دامت الجرعة موجهة لتسكين الألم أو الاختناق وليست بقصد قتل المريض، حتى لو وُجد احتمال غير مقصود لتقصير حياته، ما يقصده د. علاء فى رسالته، أن السماح بالموت الطبيعى ليس تخلياً عن المريض، بل تخلٍ عن وهم أن كل ما يمكن فعله تقنياً يجب فعله إنسانياً، أحياناً يصبح الإنعاش إطالةً للاحتضار لا إنقاذاً للحياة؛ وعندها لا تكون الرحمة فى إضافة أيام إلى العمر، بل فى إضافة السكينة إلى الأيام الأخيرة.

ويظل القرار محتاجاً إلى تقييم طبى دقيق، وموافقة واعية من المريض أو ممثله، ومراعاة قانون البلد وسياسة المؤسسة العلاجية، والأمر فى النهاية متروك للنقاش المجتمعى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حق السماح بالموت الطبيعى حق السماح بالموت الطبيعى



GMT 16:07 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

أساطير السّابقين

GMT 16:05 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

سقوط علي الطاهر، وبحث عن غطاء مسيحي

GMT 16:02 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

لنحذر الفتنة واللغة الهابطة !

GMT 16:00 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

خطف ألف جندي أميركي!

GMT 15:58 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

ترمب وبوتين والخروج من الحرب

GMT 15:57 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

«الماتيس»

GMT 15:54 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

فنانة تستجير بالجمهور لإنقاذ زوجها

GMT 15:53 2026 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

لماذا يريدونها «كوتة» نسائية فى فينسيا؟

هند صبري تتألق بأسلوب عفوي وألوان جريئة في خياراتها لأزياء الصيف

تونس - المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib