لبنان و«العيش داخل كذبة»

لبنان و«العيش داخل كذبة»

المغرب اليوم -

لبنان و«العيش داخل كذبة»

سام منسي
بقلم : سام منسي

في لحظة إقليمية ودولية بالغة الاضطراب، حيث يُعاد تفكيك القواعد التي حكمت النظام الدولي، يُطلّ الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، بتصريح لا يحتمل التأويل: «لبيك خامنئي»، معلناً مجدداً أن مرجعيته الأساسية هي إيران، وأن حزبه مستعد للقيام بكل ما يلزم، حتى الانخراط في حرب إسناد ثانية؛ للدفاع عنها في مواجهة أي تهديد. موقف سياسي وإعلان اصطفاف، ينقلان لبنان من خانة الدولة الساعية إلى استعادة سيادتها، إلى موقع الساحة المفتوحة، في صراع إقليمي لا قرار له فيه.

يتحير المرء في مقاربة كلام قاسم... هل يعكس الموقف الفعلي لـ«الحزب» وراعيه الإيراني، أم باتت مهمة هذا الرجل دعائية لشد عصب البيئة الحاضنة؟ يصعب أخذ كلامه على محمل الجد في هذا الوقت، خصوصاً بعد خسائر حزبه ومحوره المدوية، وفيما يشهد العالم توتراً أميركياً - أوروبياً غير مسبوق، مع محاولات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إعادة تعريف السيادة والتحالفات، ودخول غزة مرحلة رمادية بين الحرب والتسوية، وخروج سوريا من نظامٍ دون أن تبلغ بعدُ عتبة الاستقرار، فيما تتصاعد الضغوط على إيران داخلياً وخارجياً.

وسط كل هذا، ومع محاولة لبنان، بشق الأنفس، إقناع العالم بأنه عاد إلى منطق الدولة لا منطق الميليشيا، يأتي تصريح قاسم لينقضَ هذا المسار ويُسقط آخر أوراق الالتباس التي استخدمها «الحزب» سنوات... فالحرب التي جُرّ إليها لبنان سابقاً قُدمت تحت عنوان «المساندة والمشاغلة» دفاعاً عن غزة أولاً، وحماية للبنان ثانياً. أما اليوم، فلا فلسطين في الخطاب، ولا حتى محاولة للتغطية الأخلاقية. الدفاع بات صريحاً عن النظام الإيراني، مهما كانت التكلفة على لبنان. بهذا المعنى، ينتقل «حزب الله» من موقع الفاعل المحلي ذي الارتباط الخارجي، إلى موقع الوكيل المعلَن لدولة أخرى.

هذه الواقعة تكشف عن حقيقتين، الأولى أن هذا الموقف يؤكد أنه لا مجال ولا معنى لأي حوار مع «الحزب» بشأن أي موضوع، خصوصاً جدوى سلاحه أو وظيفته. فالسلاح لم يعد، حتى في الخطاب، أداة ردع أو حماية للبنان، بل أداة جاهزة للاستخدام في معركة تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.

والثانية أنه يأتي في لحظة لبنانية استثنائية، وربما نادرة في تاريخ الانهيار الطويل؛ فلأول مرة منذ سنوات، تحاول الدولة اللبنانية، ولو بالكلام، برئاستها وحكومتها ومؤسساتها العسكرية، أن تستعيد خطاباً سيادياً، وتعيد وصل ما انقطع مع المجتمع الدولي والعالم العربي، وإقناع العواصم المؤثرة بأن لبنان لم يعد رهينة قرار أمني خارجها. وتالياً، لا يُقرأ كلام قاسم بوصفه موقفاً حزبياً معزولاً، بل بصفته ضربة مباشرة لهذا المسار الهش؛ تُبدد الثقة قبل أن تتكوّن، وتُفقد لبنان لحظة قد لا تتكرر لإعادة التموضع بصفته دولةً لا ساحة. فالخطر لا يكمن فقط في حرب محتملة، بل في تقويض فرص الإنقاذ السياسي والاقتصادي. فكيف يمكن للبنان إقناع المجتمع الدولي بأنه يسير نحو استعادة احتكار استخدام القوة، فيما أحد مكوناته المسلحة يؤكد جهاراً أن ولاءه وقراره خارج الحدود؟

ما الذي يسمح لـ«الحزب» بأن يصطفّ في حربٍ حتى أميركا بجبروتها تتريث قبل خوضها؛ ليس عجزاً أو خوفاً من إيران، بل من النتائج المحتملة؟ الإجابة المرجحة ليست قدرات «الحزب» مهما بلغت ترسانته المتبقية، بل اعتماده على احتكار تمثيله الشيعة. ما يسعى إليه قاسم وحزبه، وربما إيران، هو التعويض بأثمان سياسية يحصدها «الحزب» وجمهوره على حساب باقي أبناء الطائفة.

وهنا يُطرح سؤال مسكوت عنه داخل البيئة الشيعية نفسها: هل الدفاع عن النظام الإيراني مصلحة شيعة لبنان الذين دفعوا أثماناً في حروب سابقة؛ أم إنهم يُدفعون مجدداً إلى موقع المتراس فيما تتآكل مقومات عيشهم ويفقدون ما تبقى من أمان اجتماعي واقتصادي؟ هذه البيئة، مهددة بأن تتحول من جديد إلى وقود في صراع إقليمي لا تملك قراره ولا تجني ثماره.

المسألة في النهاية لم تعد خلافاً سياسياً أو آيديولوجياً؛ إنما أصبحت سؤالاً عمّن يقرر مصير الشيعة ولبنان بعامة: الدولة ومؤسساتها، أم حزب يعلن صراحة أن بوصلته ومرجعيته خارجية؟ الغرابة والخطورة تكمنان في إغضاء الشيعة خصوصاً واللبنانيين عموماً عما يجري، واستمرار تحملهم وزر مغامرات جديدة وممارسات تستخف بحياتهم ومستقبل أبنائهم.

صحيح أن لبنان سبق أن تجاوز حروباً وأزمات كثيرة، إنما هذه المرحلة مختلفة دولياً وإقليمياً، ولا مؤشرات على متغيرات قريبة. فكيف يمكن تجنيب لبنان، بكل طوائفه، مخاطر مرحلة دولية جديدة تُقاس فيها الدول بقدرتها على ضبط أراضيها والتحكم في قرارها السيادي، في عالم يعيد ترمب صياغته بمنطق التفاوض من موقع القوة والنفوذ؟ العبرة للبنانيين؛ مسؤولين ومواطنين، لا سيما الشيعة، هي التخلي عن الأوهام وعن «العيش داخل كذبة» اسمها قدرات «حزب الله». نستعيد في هذا السياق ما قاله رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في دافوس: «قوة النظام لا تأتي من حقيقته؛ بل من استعداد الجميع للتصرف كأنه حقيقي».

بين استعادة الدولة والانزلاق مجدداً إلى منطق الوكالة؛ ما عاد الخيار قابلاً للتأجيل أو للمناورة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان و«العيش داخل كذبة» لبنان و«العيش داخل كذبة»



GMT 06:49 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

بقعة خلف بقعة

GMT 06:47 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الملك فاروق... إنصافٌ متأخر

GMT 06:45 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في مصلحة مَن تقسيم إيران؟

GMT 06:43 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في انتظار «الأنبياء الكذبة»!

أصالة نصري بإطلالات شرقية تجمع الفخامة والوقار

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 07:17 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

مسلسل "إثبات نسب" لدرّة يرى النور في رمضان 2026
المغرب اليوم - مسلسل

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:44 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

"ميشال فاضل يتألّق في مدينة "الملك عبدالله الإقتصادية

GMT 13:55 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

شركة اسرائيلية تنقب عن النفط والغاز الطبيعي في الداخلة

GMT 18:00 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

نقابة المهن التمثيلية تنفي شائعة وفاة أشرف عبدالباقي

GMT 04:34 2013 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية تعلن إنهاء إجراءات سفر أكثر من 56 ألف أجنبي مخالف

GMT 05:06 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

أسوأ الأحذية التي يجب عدم ارتدائها مع الجينز

GMT 07:27 2018 الثلاثاء ,17 تموز / يوليو

عودة "الشباشب العصرية" من جديد إلى منصّات الموضة

GMT 04:43 2018 الخميس ,28 حزيران / يونيو

اهتراء شبكة التوزيع يحرق أسلاك الكهرباء في وزان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib