حرب إيران والقواعد الجديدة للسياسة في الإقليم

حرب إيران والقواعد الجديدة للسياسة في الإقليم

المغرب اليوم -

حرب إيران والقواعد الجديدة للسياسة في الإقليم

بقلم : سام منسي

بعد التصعيد الذي شهدته الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، لم يعد السؤال محصوراً بحجم الضربة أو بطبيعة الرد الإيراني، بل بات يتعلق بتداعياتهما المحتملة وطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل. فاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعلي لاريجاني وغيرهما من القيادات، ثم انتقال المواجهة إلى الخليج ولبنان، كلها مؤشرات إلى أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة صياغة استراتيجية تتجاوز الحدث العسكري نفسه.

أول التداعيات يتمثل في الضعف العسكري الذي أصاب إيران، بغض النظر عن مستقبل نظام الملالي نفسه، سواء استمر بصيغته الحالية أو تحوّل أو حتى انهار. فالحرب كشفت حدود القدرة الإيرانية على الصمود في مواجهة ضربات مركّزة تستهدف البنية القيادية والعسكرية في العمق، وأظهرت أن الردع الذي بنت عليه طهران استراتيجيتها خلال العقود الماضية لم يعد يعمل بالفاعلية نفسها. وهذا الضعف العسكري لا يعني بالضرورة نهاية الدور الإيراني في المنطقة، لكنه يفرض إعادة تقييم عميقة لاستراتيجياته وأدواته.

التداعي الثاني يتمثل في ضعف شبكة الوكلاء الإقليميين التي شكلت الركيزة الأساسية للنفوذ الإيراني. فقد كشفت حرب غزة ولبنان حدود قدرة هذه التنظيمات على تغيير موازين القوى، كما أظهرت الكلفة الباهظة التي تدفعها المجتمعات التي تنشط فيها. وهذا التطور يطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل هذه القوى: هل تستمر كأذرع عسكرية مرتبطة بمحور إقليمي، أم تتجه تدريجياً إلى التحول نحو فاعلين سياسيين مندمجين في دولهم الوطنية؟ الإجابة عن هذا السؤال سيحددها إلى حد كبير مستقبل ما تبقى من المشروع الإيراني في المنطقة.

التداعي الثالث يتمثل في تراجع نموذج الحروب بالوكالة الذي حكم الشرق الأوسط لعقود. فقد اعتادت القوى الإقليمية إدارة صراعاتها عبر ساحات وسيطة، لكن انتقال المواجهة إلى ضربات مباشرة بين دول يشير إلى أن هذا النموذج بات أقل فاعلية. ومع تراجع قدرة الوكلاء على ضبط التصعيد، قد يتجه الإقليم نحو نمط جديد من الصراعات المحدودة والمباشرة بين الدول.

التداعي الرابع هو تضييق هامش ما يمكن تسميته «الدبلوماسية الرمادية»، أي القنوات غير المعلنة التي كانت تُستخدم لإدارة التوتر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. فالحرب الحالية لا تلغي احتمال التسويات، لكنها تجعلها أكثر صعوبة وتعيد طرحها بشروط أشد. فملفات مثل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات وأمن الخليج قد تعود لاحقاً إلى طاولة التفاوض، لكن في ظل توازنات مختلفة وتشدد أكبر من الأطراف المعنية. لذلك قد لا تعني «مرحلة ما بعد الحرب» سلاماً سريعاً، بل فترة انتقالية طويلة من توتر منخفض الحدة يتخلله تصعيد متقطع وعمليات أمنية وسيبرانية.

التداعي الخامس يتمثل في ضرورة إعادة ترتيب النظام الأمني الخليجي. فاستهداف الخليج يدفع دوله إلى تسريع بناء منظومات دفاعية مشتركة وتعميق شراكاتها الأمنية. ولم يعد أمن الطاقة والممرات البحرية مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح جزءاً أساسياً من المعادلة العسكرية. وقد يفتح ذلك الباب أمام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

أما التداعي السادس فيرتبط بمستقبل القضية الفلسطينية. فالحرب تمنح الحكومة الإسرائيلية هامشاً أوسع لتأجيل أي مسار سياسي بحجة التهديد الأمني، ما يضعف فرص قيام دولة فلسطينية في المدى القريب. لكن في المقابل قد تذكّر هذه المواجهة القوى الدولية والعربية بأن غياب أفق سياسي يولّد دورات متكررة من العنف، ما قد يعيد طرح التسوية كجزء من إعادة تنظيم النظام الإقليمي.

التداعي السابع يتعلق بالعلاقات الأميركية - الأوروبية. فعلى عكس ما كان متوقعاً، لا يبدو أن هذه الحرب تدفع نحو تقارب عبر الأطلسي، بل تكشف استمرار التباينات بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية التي أبدت تحفظاً واضحاً على الانخراط في المواجهة. ويبرز في هذا السياق الموقف الإسباني والفرنسي بشكل خاص، حيث تبنّت مدريد وباريس خطاباً أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية وأقل استعداداً للانضمام إلى التصعيد. ويعكس هذا التباين اختلافاً أعمق بين الطرفين في مقاربة الأمن الإقليمي.

غير أن التداعيات الأعمق للحرب هي المستترة؛ إذ تعيد طرح سؤال جوهري حول معنى السيادة في الشرق الأوسط حيث برز نمط من السيادة المزدوجة تتعايش فيه الدولة مع فاعلين مسلحين يمتلكون قرار الحرب والسلم. هذا النموذج أضعف الدول وأدخل المنطقة في دورات متكررة من عدم الاستقرار. أما اليوم، فإن الضربات المباشرة داخل إيران واستهداف أذرعها الإقليمية يوحيان ببدء مرحلة مضادة تسعى لإعادة مركزية الدولة بوصفها الفاعل الأساسي في الأمن الإقليمي.

الخلاصة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية طويلة تتراجع فيها الآيديولوجيا لصالح الواقعية، وتزداد فيها قيمة الدولة القادرة على حماية حدودها ومصالحها. وقد لا تنتج هذه الحرب سلاماً سريعاً، لكنها ستعيد رسم قواعد اللعبة الإقليمية لسنوات مقبلة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب إيران والقواعد الجديدة للسياسة في الإقليم حرب إيران والقواعد الجديدة للسياسة في الإقليم



GMT 04:30 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

الطريق إلى القدس ورأس الخيمة

GMT 04:27 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

لقمة «هرمز»... والنظام الإيراني

GMT 04:21 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

المرشد ووقف النار وشبح السنوار

GMT 04:17 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

«نرجس» تتحدى «عزيزة بنت إبليس»!

GMT 04:13 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

لماذا يدافعون عن إيران؟

GMT 04:11 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

عن الصين وعتبات التحول الجذري

GMT 00:20 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

أهداف الاستعمار الفرنسي

GMT 00:18 2026 السبت ,21 آذار/ مارس

هل يقدر قوادري على فيلم الأسد؟

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم
المغرب اليوم - إطلالات أنيقة للنجمات خلال الحمل في شهر المرأة

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

تيم حسن يتحدث عن النسخة التركية من "الهيبة"
المغرب اليوم - تيم حسن يتحدث عن النسخة التركية من

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 22:12 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

تفاصيل نسبة ملء السدود الرئيسية في المغرب

GMT 17:33 2020 الإثنين ,27 كانون الثاني / يناير

تعرف على أسطول سيارات "الفرعون" محمد صلاح

GMT 06:32 2020 السبت ,18 كانون الثاني / يناير

حمد الله يقود النصر إلى ربع نهاية كأس السعودية

GMT 05:54 2018 الخميس ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

يواخيم لوف يُطالب لاعبي منتخب ألمانيا باستعادة حماس باريس

GMT 12:16 2012 الأربعاء ,27 حزيران / يونيو

سورية تختفي عن شبكة الإنترنت العالمية لمدة 40 دقيقة

GMT 01:39 2022 الإثنين ,04 تموز / يوليو

الياقوت حجر بخت شهر يوليو/ تموز

GMT 23:01 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

برجك يؤثر في اختيار نوع العطر المفضل للمرأة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib