التاريخ بسرعة مجنونة

التاريخ بسرعة مجنونة

المغرب اليوم -

التاريخ بسرعة مجنونة

سوسن الأبطح
بقلم : سوسن الأبطح

عالم مجنون، وأحداثه متسارعة، حتى لتشعر بأنك تشاهد فيلم رعب هوليوودياً مشوقاً، تستعجل معرفة ما يمكن أن تكون نهاياته.

منذ دخلنا في محنة وباء كوفيد ونحن في متاهة من المفاجآت غير المتوقعة. ما كدنا نخرج من الحجر الصحي حتى ابتدأت الحرب الروسية - الأوكرانية، التي قيل إنها ستكون سبباً في حرماننا من الزيوت والحبوب لأن أوكرانيا «سلة غذاء العالم»، وستُدخل أوروبا في التجمد والظلمة لأنها موطن البترول والغاز، وفيها محطات نووية، ومختبرات كيميائية يمكن أن تُنهي العالم.

وقبل أن نتأقلم مع التهديدات النووية التي انطلقت من هناك، جاءت حرب غزة الإبادية التي صعقت كل ذي ضمير. نحو 100 ألف ضحية زلزلت أرواحهم البريئة مشاعر سكان الكوكب، ولا تزال خيامهم وأهوالهم، وصورهم تؤرق الوجدان. وليكتمل المسلسل المأساوي اندلعت حرب لبنان عام 2024 بكل مشاهدها الصادمة من قتل وتشريد ومحو قرى، ثم حرب الـ12 يوماً في إيران ومخاوف التسرب النووي بعد تفجير هائل انتهت به.

النزاعات لم تهدأ للحظة، ومفعول الضرائب الجمركية زاد الأسواق المرهقة توتراً، والميزانيات المفلسة ضغطاً. التهديدات بضم غرينلاند، خيَّمت خوفاً من نزاعات تنطلق بين الاتحاد الأوروبي وأميركا، وتتسبب في انهيار «الناتو». قرأنا بذهول، ذات صباح، أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي كان يخطب في الشعب بكامل عنفوانه بات أسيراً مع زوجته في أميركا، وأنه اختُطف وحلّت نائبته مكانه، في خفّة وصمت عالميين، وحدهما كفيلين بصدمة من الصعب ان تستفيق منها.

وبينما بدأ الجميع يتنفس الصعداء لأن اتفاقاً قد يوقَّع بين إيران وأميركا يُبعد شبح الحرب، وجدنا أن الحرب قد بدأت، وهي تنذر بشرٍّ مستطير، ومعها دخل لبنان المحرقة من جديد.

لكن ما كان يحدث في العالم بينما تدور الحرب وتسلط عليها عدسات الكاميرات، وتنشغل بها مقالات المحللين، قد يكون أهم من الحرب نفسها، وقد ينذر بتغييرات مذهلة.

هذا الأسبوع خسر رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، الذي أعاد تشكيل توجهات بلاده طوال 16 عاماً في الحكم. لم يسقط الرجل القوي في الانتخابات بسبب مواقفه المعادية للاتحاد الأوروبي، وشعبويته، وسياسته ضد المهاجرين، أو قربه من الرئيس ترمب، بل لأنه أدخل بلاده في شحٍّ مدقع وتضخم مخيف، حتى صارت أفقر بلد اوروبي. وتسبب سلوك أوربان المتطرف في حجز الاتحاد في بروكسل منحاً وقروضاً بالمليارات، كانت بلاده أحوج ما تكون إليها.

الفائز الجديد بيتر ماجار، وريث السلالة السياسية نفسها، لكنه فهم الدرس ووعد بالعودة إلى مرونة ديمقراطية ستجعل الاتحاد الأوروبي أكثر تماسكاً. كل شيء يتغير بسرعة، حتى رئيسة وزراء ايطاليا جورجيا ميلوني التي عُرفت بمواقفها اليمينية الشعبوية المتطرفة، بدأت تبدّل توجهاتها ووافقت، بعد مقاومة طويلة، على تعليق التعاون العسكري مع إسرائيل.

ثمة توجهات أوروبية جديدة بعد تصاعد الخلافات مع أميركا. دعوة لتشكيل جيش مشترك، واستقلال تكنولوجي، وتصنيع عسكري، ومؤخراً رفض لدخول الحرب على إيران، بعد أن كان الحلف الغربي قلعة يصعب رؤية تصدعها، فإذا بنا نراها تتفكك ذاتياً.

من الغرائب أيضاً أنه بينما كانت الحرب مشتعلة، استقبلت الصين رئيسة الحزب المعارض «الكومينتانغ» في تايوان، تشنغ لي، في مبادرة تاريخية، الهدف منها خفض التوتر في فترة صراعات كبرى، وتعزيز التبادل والتعاون عبر المضيق. وبالمناسبة أطلقت الصين حزمة إجراءات تضمنت استئناف الرحلات الجوية المباشرة، وتدفق المنتجات الزراعية والسمكية، وتعزيز التبادلات الشبابية والثقافية، أي إن الزيارة لم تكن شكلية.

يضاف إلى المفاجآت دخول لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. أما في كوريا الشمالية فالزعيم الشهير كيم جونغ يانغ يعمل على إنهاء الصراع التاريخي مع كوريا الجنوبية، ويود تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع عدوته اللدودة ودول أخرى أيضاً. وهو مقتنع بأن الكوريتين على طريق السلام والازدهار. لا، بل يعرض وساطته في الحرب الإيرانية، وهو على استعداد للجلوس مع الرئيس دونالد ترمب لبذل كل الجهود في هذا السبيل. في الوقت نفسه هناك أزمة بين إسرائيل وكوريا الجنوبية بعد نشر رئيس وزرائها، لي جاي يونغ، عشية الهولوكوست، مقطعاً يوثِّق تنكيل جنود إسرائيليين بجثمان فلسطيني في الضفة الغربية، يلقونه من أحد السطوح. البعض عدَّه تحولاً جذرياً طرأ على علاقات توثقت منذ عام 1962 بين السلطتين، وعدَّته إسرائيل استخفافاً بالمحرقة ونشراً لمعلومات مزيفة.

العالم يعيش خلخلة غير مسبوقة، بعد أن تحول بفعل التواصل السريع والتكنولوجيا ونشاط الشركات العابرة للقارات، نسيجاً متشابكاً، ما إن تسحب خيطاً من هنا حتى تلاحظ أن ثمة ما تأثر في الجهة الأخرى. ومع تحولات في موازين القوى، وصعود دول وطموح أخرى، فإما إننا ذاهبون إلى مزيد من الحلقات المتفجرة في المسلسل الطويل، وإما إلى اتفاقات ذكية تجنِّب الكوكب هستيريا الموت والدمار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التاريخ بسرعة مجنونة التاريخ بسرعة مجنونة



GMT 00:39 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 00:35 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 00:31 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 00:25 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

GMT 00:22 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 00:20 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

(مهرجان الإسكندرية) وعودة الروح

GMT 00:17 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

حضوريًا.. أو لا تعليم

GMT 08:05 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

تقييد صلاحيات ترامب

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - المغرب اليوم

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 08:13 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 07:32 2013 الجمعة ,07 حزيران / يونيو

سعيد بتهنئة ملكنا واختياري للجسمي كان صائبًا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib