خنادق الآيديولوجيا وأقفاصها

خنادق الآيديولوجيا وأقفاصها

المغرب اليوم -

خنادق الآيديولوجيا وأقفاصها

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

كُتب الكثير عن خبايا النفس البشرية. علم النفس حاز مساحة واسعة في الدراسات الإنسانية في القرنين الأخيرين. الحروب التي قامت بين البشر عبر العصور، اختلفت دوافعها. الاستيلاء على الثروات، والهيمنة على مقدرات الآخرين، أو فرض معتقد فكري أو ديني. قبل قيام الدولة الوطنية، لم تكن هناك حدود للكيانات القومية المستقلة، ولم يكن هناك ما يُعرف اليوم بسيادة الدولة. الجيوش النظامية للدول ولدت في زمن آخر.

الإمبراطورية الرومانية التي هيمنت على أراض واسعة في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، كانت دولة لا دين لها ولا آيديولوجيا.

الإمبراطور الروماني الأول قسطنطين، وسَّع سيطرته على أراض وأمم أخرى، بعدما حقق انتصارات على الفرنكس والألمان والقوط الغربيين. ضمت إمبراطوريته الرومانية، عدداً كبيراً من معتنقي اليهودية، وقلة من المسيحيين. أدرك لأسباب سياسية، ضرورة فتل حبل عقيدي، يجمع الشعوب المختلفة الخاضعة لحكمه. أصدر مرسوماً في القرن الرابع الميلادي، يقضي أن تكون الديانة المسيحية، العقيدة الدينية الرسمية للإمبراطورية. كان ذلك مرسوماً آيديولوجياً، أكثر مما هو دينياً. أمر ببناء الكنائس الضخمة، في مختلف أنحاء البلاد وأغدق الأموال الطائلة على رجال الدين. مؤرخون كتبوا أن الإمبراطور قسطنطين مات وثنياً ولم يكن مسيحياً.

الآيديولوجيا خندق يُلقى فيه عقل الإنسان، ويوقن أنه في دنيا تحتضن الحقيقة المطلقة، وكل ما هو خارجها أوهام وأكاذيب. لكل آيديولوجيا حفرها الخاصة، تختلف عن غيرها، وكثيراً ما تكون لها مشتركات عامة مع أخرى. المفكرون والزعماء، هم حفَّارو ذلك الجحر المستطيل، الذي يتمدد فيه المريدون الذين، سُملت عيونهم بمخاريق الكلام، وثُقبت رؤوسهم لتُضخ فيها رغوة التهويل مما هو قادم، وإطلاق عواصف الأمل الملون، والتبشير بنصر مؤزر، يصنع دنيا جديدة يسود فيها المتمددون في خندق الحلم العاطر. الشيوعية والنازية والفاشية، مثلث الحلم الملون بطيف من الوعد والوعيد. الآيديولوجيا لا تنبت حشائشها في تربة زمن واحد، لكنها تتخلق من تراكم أفكار عابرة للمكان والأحداث. الثورة الصناعية التي شهدتها أوروبا الغربية، في القرن الثامن عشر، نقلت المجتمعات من المرحلة البرجوازية، إلى مرحلة الرأسمالية. دخلت أوروبا عصراً جديداً، عصر من يملك ومن يعمل. الفكر الإنساني يتحرك في مسارات الحياة المتطورة. صراع الطبقات الاجتماعية، القائم على قواعد الاقتصاد، نظَّر له الفلاسفة، وكتبوا وقالوا وحرضوا، وصارت للأفكار مصانعها وقوتها المحركة للمجتمعات. المفكر كارل ماركس، أشعل فتيلاً فكرياً قبس منه الطامحون للسلطة، وصنعوا منه جمراً رشوا فوقه بخوراً، ليكون شهيقاً للذين يعانون من ثقل أيامهم. الماركسية اللينينية كانت آيديولوجيا القرن العشرين، التي تجسدت في سلطة، حكمت أكبر دولة مساحة في العالم، صارت الآيديولوجيا قوة فاعلة جديدة، في زمن جديد له محركات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة. بعد الحرب العالمية الأولى، كان العالم على موعد مع الحركة الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا.

قال الأولون: البطن صباغ دباغ. من الرحم الآيديولوجي الروسي العنيف ذاته، وُلدت اثنتان لهما قسمات لا تشبه الأم، إلا في العنف الذي حملهما إلى سدة السلطة. في روسيا الشيوعية، قام الزعيم القائد جوزيف ستالين بقتل الملايين، بينهم من كانوا رفاقاً له في الفكر والحزب، ومن ضباط الجيش، وسجن الملايين في سيبيريا.

بينيتو موسوليني، زحف على روما ومعه آلاف من المؤمنين بفكره الفاشي، الذي يصف الأنظمة الديمقراطية في فرنسا وبريطانيا، بالأنظمة الغبية التافهة، ووعد الإيطاليين باستعادة عظمة روما، وشن حرباً على إثيوبيا، وقتل الليبيين. في ألمانيا التي عاشت تحت ركام الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، وعانت مرارة الجوع والبطالة، قفز شاويش نمساوي الى السلطة بمظلة العرق الآري، وصبَّ في كتابه (كفاحي)، آيديولوجيته النازية التي تقول بتفوق العرق الآري على جميع الأعراق. الزعيم الفرد، هو العمود الرافع لبرج العظمة. انتهى الزعيمان موسوليني وهتلر، أولهما مقتولاً معلقاً من قدميه، والثاني مهزوماً منتحراً في خندق فكره الشاذ، وكانت مهمته في الحرب العالمية الأولى نقل الرسائل بين خنادق القوات الألمانية.

الصين البلد الذي سيطر فيه الحزب الشيوعي، بقيادة زعيمه ماو تسي تونغ على السلطة، بعد انتصاره على غريمه في الحرب الأهلية، شان كيان شيك. شهد آيديولوجيا لها أجنحة تطير في سماوات الأوهام. صنع الزعيم ماوتسي تونغ، قفصاً آيديولوجياً ضيقاً، مساحته أمتار محدودة، وضع فيه الفيل الصيني الضخم. يمطر الكائن السجين، بزخات من الأفكار الثقافية والاقتصادية والاجتماعية العجيبة، وليس للفيل إلا أن يغمض عينيه، وأن يحرك خرطومه الضامر ببطء. جاء الزعيم الشيوعي دنغ هسياو بنغ، وخلع رداءه الماوي، وكسر قفص الآيديولوجيا. تحرر الفيل مندفعاً يفكر ويصنع ويزرع، حتى صار العالم كله مساحة له. رُدمت الخنادق، وتكسرت الأقفاص.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خنادق الآيديولوجيا وأقفاصها خنادق الآيديولوجيا وأقفاصها



GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

GMT 15:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 15:27 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 15:24 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 15:21 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

أمن الشرق الأوسط!

GMT 15:19 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

قراءة في العقل السياسي الإيراني

GMT 16:21 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 16:18 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

جواب: هذا في الاسم

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 04:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
المغرب اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 05:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
المغرب اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 15:09 2021 السبت ,03 تموز / يوليو

هاميلتون يمدد عقده مع مرسيدس

GMT 01:01 2021 الأربعاء ,24 شباط / فبراير

المغرب يسجل 446 إصابة و15 وفاة جديدة بفيروس كورونا

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 16:16 2020 الأربعاء ,27 أيار / مايو

الترجي التونسي يعود للتدريبات بعد أزمة كورونا

GMT 02:19 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

نصائح سريعة لترتيب غرفة الغسيل

GMT 03:16 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على طرق طبيعية لتعطير المنزل في الأعياد

GMT 00:17 2017 الجمعة ,23 حزيران / يونيو

حسين معرفي يستقيل من إدارة النادي العربي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib