هل سكت ناقوس 5 يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

المغرب اليوم -

هل سكت ناقوس 5 يونيو

بقلم:عبد الرحمن شلقم

السنوات والشهور والأيام ترحل أرقامُها، وتغادر رزنامةَ التقويم الورقي، لكن الكثير منها تغوص أرقامُها في الذاكرة وتأبى أن تزول. يوم الخامس من شهر يونيو (حزيران) 1967 احمرت المكواة في جمر الزمن العربي المتموج. تحلق الحلم العربي راقصاً حول الكانون، مبتهجاً بألسنة بخور صوتية ترتفع منه، تصرخ وتغني وتَعِد. الإذاعات تحوّلت إلى منصات ودشم تُطلق الأصوات المدرعة، والصحف علت صفحاتها الأولى عناوين حمراء ضخمة. الناس تجمّعوا في البيوت والشوارع والميادين، من المحيط إلى الخليج، يشحنهم الهيجان حول الأيام التي يعصرهم انتظارُها، والعدُّ التنازليُّ للوقت بالساعات، لبداية اندفاع الجيوش العربية لتحرير أرض فلسطين المغتصبة. هامت الملايين بزغاريد وهم يرفرف فوق أفق عربي طويل، يلونه شفق الحماسة الهادر، وتعلوه حرارة الأناشيد وصراخ المذيعين الأشاوس. في صباح يوم الاثنين الساخن، صرخ المذيع من راديو «صوت العرب» في القاهرة، ليعلن للأمة بدايةَ الزمن العربي المنتظر. انتصارات تُسطَّر في المكاتب، وتهديها غرف البث من الإذاعات إلى الجماهير السادرة في نشوة الحلم التاريخي. لا صوت يهمس بسؤال، ولا خبير أو محلل سياسي أو صحافي يلقي بصوته أو بقلمه في وجه الطوفان الإذاعي الهادر. في اليوم التاسع من شهر يونيو ذاته سقط جبل الجمر الرهيب على رؤوس الملايين. شهق الرجال وسالت دموع النساء، عندما ملأت أخبار الهزيمة آفاق الدنيا، وانكسرت ثلاثة جيوش عربية أمام الجيش الإسرائيلي الصغير، ففي خمسة أيام احتلت إسرائيل أراضي عربية، مساحتها أضعاف مساحة أرض فلسطين. سقطت المكواة مع جمر الكانون على رؤوس الملايين عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته عبر الإذاعة المصرية، متحملاً مسؤولية الهزيمة.

في كل الحروب هناك منتصر ومنكسر. فرنسا في بدايات الحرب العالمية الثانية، استولى عليها الجيش النازي الألماني في أيام معدودة، وهربت بقايا الجيش الفرنسي مع الآلاف من الجنود البريطانيين من دنكرك، تاركين أسلحتهم للجيش الألماني. الاتحاد السوفياتي بجيوشه القوية، ومساحته الهائلة وقدراته التقنية والاقتصادية، اجتاحته القوات الألمانية في وقت قياسي، حتى صارت على مسافة قصيرة من أبراج الكرملين، لكن بالإرادة الصلبة للأمم واستعدادها للمقاومة والتضحية، تُهزم الهزائم ويتحقق النصر. الشعب المصري ومعه الشعوب العربية رفضوا الانكسار، وأصرَّ الجميع على عودة الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى موقع قيادة المعركة ضد إسرائيل، فعاد وبدأ معارك استنزافها، بعدما أعاد تنظيم قواته المسلحة بقيادات جديدة، وأسلحة أكثر تطوراً من الاتحاد السوفياتي. رحل الرئيس جمال عبد الناصر إلى الدار الآخرة قبل جبر الكسر البليغ الذي طال عظم الكيان العربي كله. اعتقد الإسرائيليون أن العرب، في مقدمتهم مصر، لن يتمكنوا من النهوض عسكرياً، وسيرضخون في صمت طويل للهزيمة الساحقة التي حلَّت بهم في 5 يونيو، وأن خط بارليف الإسرائيلي العالي على قناة السويس سيكون الدرع الترابية التي تمنع الجيش المصري من عبور القناة، لكن في يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 انهار جنون غرور التفوق الصهيوني، وعبَر الجيش المصري القناة، واندفع إلى داخل سيناء. نسخ تاريخٌ تاريخاً، وحلَّ يومٌ محلَ آخر على رزنامة السنين، وسطع نجمُ زعيم جديد هو أنور السادات.

تغيرت خريطة المنطقة عسكرياً وسياسياً، لكن ومضات النصر العسكري التي مسحت ظلام الهزيمة لم تشعّ في ثنايا العقول كما فعلت الحروب بهزائمها وانتصاراتها في الدول الحديثة المتحضرة، إذ شهدت مراجعات تأسيسية لتحديد مكامن الضعف والقصور في جميع مكونات الدولة، وجرت مراجعة المناهج التعليمية، والقواعد الإدارية، وكذلك البنى الاقتصادية والسياسية للدولة. وعلى نتائج تلك المراجعات، يُصار إلى إعادة هندسة البنية العسكرية للدولة.

في مصر قام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإصدار بيان 30 مارس (آذار) 1968 بعد هزيمة يونيو، ووسع هوامش الحرية الإعلامية والفنية، لكنه لم يتخذ خطوة تأسيسية في المجال السياسي، رغم أنه أعلن في أكثر من مناسبة أن حرية العمل السياسي هي الضمان للنهوض والتقدم وتحقيق النصر. المتلازمة التي لا تغيب في دولنا هي عدم نشر الوثائق بعد مرور مدة محددة من الزمن، وصدور قوانين تشرع ذلك، بما فيها ما يتعلق بالحروب وخلفياتها ومساراتها ونتائجها، وغيرها من القضايا التي تمثل محطات حيوية مهمة في مجريات الحياة الوطنية. غياب لجان التحقيق التي تشكل في بعض الدول، وتتولى دراسة خلفيات إدارة الحروب، وكشف نتوءات الخلل والتقصير، وتوصي باتخاذ إجراءات معينة، في حالة وجود تقصير أو سوء تقدير.

ما حدث في الخامس من يونيو 1967، والهزيمة الساحقة التي حلت بكل العرب، لم تكن هزيمة عسكرية واحتلالَ أراض فحسب، بل معنوية ونفسية، وكشفت حجم الوهن والتخلف، الذي حلَّ بالكيان العربي، وهي الناقوس الذي لم يسكت إلى اليوم، إذ يتواصل الاجتياح الاسرائيلي للأراضي العربية، والقتل والدمار والتوسع من دون رادع. نواقيس يونيو لم تسكت، لكن اليقظة العقلية والعلمية التحديثية في ربوعنا يبدو أنَّ لا آذان لها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل سكت ناقوس 5 يونيو هل سكت ناقوس 5 يونيو



GMT 08:05 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

تقييد صلاحيات ترامب

GMT 08:04 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

الأرجوحة الشرق أوسطية

GMT 08:03 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مسار سعد نصار

GMT 07:28 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 07:24 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 07:22 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 07:19 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 05:00 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 18:55 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تمرّ بيوم من الأحداث المهمة التي تضطرك إلى الصبر

GMT 08:27 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 09:55 2024 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

أبرز مشاهير برج الجدي العالميين والعرب

GMT 13:39 2018 السبت ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

استمرار سقوط الأمطار على أغلب الأنحاء بمحافظة القاهره

GMT 01:02 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نجلاء بدر تُؤكِّد خُلو مسلسل "البيت الأبيض" مِن السياسة

GMT 03:02 2017 الأربعاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إحباط هجوم مسلح على حاجز أمني في العريش وفرار 4 مسلحين

GMT 16:42 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

"الغموض" يكتنف مستقبل لويس هاملتون في سباق "فورمولا 1"

GMT 07:56 2017 الإثنين ,12 حزيران / يونيو

المنزل الكلاسيكي المذهل في ريف إسكس جوهرة عصرية

GMT 19:54 2024 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

الدولار يتراجّع عن أعلى مستوى له في 6 أسابيع

GMT 15:11 2023 الإثنين ,25 أيلول / سبتمبر

الرجاء المغربى يهزم اتحاد تواركة بهدف دون رد
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib