من الوحدة الشاملة إلى براكين الدَّم والتَّشظّي

من الوحدة الشاملة إلى براكين الدَّم والتَّشظّي

المغرب اليوم -

من الوحدة الشاملة إلى براكين الدَّم والتَّشظّي

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

زارنَا رئيسُ جمهوريةِ أوغندا يوري موسيفيني. استقبلَه العقيد معمر القذافي أمامَ الخيمةِ بمعسكر بابِ العزيزية، وأخذَه بالأحضان، ثم بادرَه بالقول بصوتٍ عالٍ: كيف تزورُ فلسطينَ المحتلة، وتجتمع بالصهاينةِ المجرمين؟ ردَّ موسيفيني: أنتم من دفعني إلى زيارة إسرائيل. حسن الترابي الذي يقودُ نظامَ الخرطوم، يقدّم السّلاحَ والمالَ لـ«جيش الرَّب» الذي يحاربُنا. حسن الترابي ينشطُ فيمَا يسميهِ المشروعَ الحضاريَّ الكبير، والهادف إلى أسلمةِ قارةِ أفريقيا. وأضافَ موسيفيني: نحن في حاجةٍ إلى مناظيرَ ليلية، وأسلحةٍ دقيقةٍ نواجه بها قواتِ «جيشِ الرَّب»، الذي يشنُّ علينَا هجوماتِه ليلاً. إسرائيلُ هي من زوّدتنا بتلك الأسلحةِ التي واجهنَا بها «جيشَ الرَّب»، الذي يحركُه سودانُ الترابي، ولولاهَا لكانَ حسنُ الترابي يخطبُ اليومَ في كمبالا. شخصَ أمامي ذلك المنظرُ، الذي كانَ في أمسيةٍ خريفيةٍ باردة، واستعدتُ ما قالَه الرئيسُ الأوغندي، وأنا أتابعُ المأساةَ الرَّهيبةَ، التي تطحنُ شعبَ السودانِ الطَّيب، وتمزقُه بين قتيلٍ وجريحٍ وفقيرٍ ومريضٍ ونازحٍ ولاجئ. السودانُ أرضُ النَّعيم، وشعبُ الهدوءِ والأمانةِ والثقافة، تبادلَ عليه متسلّطونَ، يلبسونَ الكاكِي، وآخرونَ امتلأت أفواهُهم بِتُرّهاتٍ ينسبونَها للدين... منذ أن قامَ الفريق إبراهيم عبود بالانقلاب علَى التَّجربةِ الديمقراطيةِ الوليدةِ بقيادة إسماعيل الأزهري، بعد انفصالِ السودان عن مصرَ، إلى سرّ الختم خليفة، ثمَّ قفز جعفر النميري بانقلابه العسكري إلى السلطة. ركبَ في البداية الموجةَ الناصرية، ومعه خليطٌ من الضباط جلّهم كانت طريدتهم السلطةُ والغنيمة، دخلَ في مشروعٍ وحدويّ عربيّ كبير مع مصرَ وليبيا وسوريا.

بعد محاولةِ انقلابٍ قامَ بها ضباط متحالفونَ مع تيارٍ ماركسي، وتمكنَ جعفر النميري من إفشالها وإعدامِ قادتها، بمساعدةٍ مصريةٍ وليبية، قفزَ النميري إلى رحبةِ الدين، وفرضَ الشَّريعةَ الإسلامية، وفيه كثيرٌ من المسيحيين والوثنيين. قطعَ الأيدي وجلدَ، وصادرَ الأملاكَ، ومنعَ الموسيقى وكلَّ أنواعِ الفن، وأعدمَ المفكرَ محمود محمد طه رئيسَ الحزبِ الجمهوري بتهمةِ الرّدة. أسقطَه رئيسُ أركانِ جيشِه عبد الرحمن سوار الذهب، وسلَّم السلطةَ في انتخاباتٍ أعادت محاولةً ديمقراطيةً أخرى. لكنَّ لعنةَ الانقلابات العسكرية في السودان صارتِ المرضَ الذي لا يُرجى شفاؤه. شيخٌ اسمُه حسنُ الترابي يهندس انقلاباً، ثم ينقلب عليه. عمرُ البشير ضابطٌ مغمور رتَّب له الترابي رقصةً انقلابية جديدة، لكن البشير تخلَّص منه. الإنجازُ الأعظمُ للبشير كانَ انفصالَ جنوب السودان، وزراعة متفجرات العنف القبلي والعرقي في كل البلاد.

الوحدة المصرية - السورية التي قامت سنة 1958، بعنوان «الجمهورية العربية المتحدة»، صفَّق لها العربُ وغنّوا لها: «وحدة ما يغلبها غلَّاب». العقيد السوري عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر، الذي عيَّنه الرئيس جمال عبد الناصر حاكماً للإقليم الشمالي؛ سوريا، قادَ الانفصال في حركةِ النكسة الأولى التي ساقت إلى نكسات. صارتِ الانقلاباتُ العسكرية وجباتٍ دورية في سوريا. حزبُ «البعث العربي الاشتراكي» حكم سوريا والعراق المتجاورين. اشتركا معاً في شعار «الوحدة والحرية والاشتراكية»، لكن ما نبت بين سوريا والعراق كان العداءَ المزمن. المؤامرات والتصفيات الجسدية للرفاق الحزبيين على السواء، حلَّت محلَّ الشعار الثلاثي. الحزب في سوريا حكم على مؤسسه ميشيل عفلق بالإعدام، وقامَ بتصفية شريكه في التأسيس صلاح البيطار في منفاه بباريس، ووضعَ بعض كبار قادته في سجن المزَّة إلى أن رحلوا إلى القبور. في بغدادَ دشَّن قائد الحزب الجديد صدام حسين سنة 1979 عهدَه بمهرجان الدّم الرهيب في قاعة الخلد، بإعدام العشرات من قادة الحزب، وأدخل البلادَ في حروب داخلية وخارجية، قُتل وشُرّد فيها الملايين، وأورثتِ البلدَ الفقرَ والاحتلال، والصراعَ الطائفيَّ، والارتهانَ لقوى أجنبية. دُفنت الوحدةُ العربية والوحدة الوطنية، وعمَّ التشظّي الطائفي والاجتماعي. اليمن طالته موجةُ الانقلابات العسكرية، في سنة 1962 أنهى الجيشُ نظام الإمامة، لتدخل البلاد بعده في دوامة بلا نهاية. انقلابٌ يلد آخر، وحربٌ تلد أخرى، ورؤساء يُقتلون... بلد تمكَّن منه العنفُ القبليُّ والتشظي الاجتماعي، وصارَ قراره في يد خارجية، ودخل في مواجهات بتعليمات من خارج حدوده. من حلم الوحدةِ بين شمال اليمن وجنوبه، إلى أملٍ يبتعد في رؤية دولةٍ تتحقق فيها نعمة السلم الاجتماعي. في ليبيا طافَ شعارُ الوحدة العربية سنينَ، بين المشرق العربي ومغربه، مع مصرَ والسودان وسوريا وتونس والمغرب، ولكن الحادي لكل تلك المسارات كان الخصامَ، وحتى الصدام. رحلَ النّظامُ الذي هتف للوحدة العربية سنين، واستيقظ الليبيون على أنَّ اللحمة الوطنية التي تجمعهم توهنها هشاشةٌ كامنة. ظهرت حساسياتٌ قبلية وجهوية، وخلافاتٌ تحركها رواسبُ دفنَها الماضي.

الشعوب تهتدي بنور العقل والتعليم والحرية، لا بظلام الآيديولوجيا، ومتاهة الانقلابات العسكرية. أوروبا التي خاضت حروباً طويلة، بدوافع دينية وديكتاتوريات متسلّطة، في الماضي، يجمعها اليوم اتحادٌ كونفدراليٌّ متفوّق في جميع المجالات. الرابط الذي جمع دولَ أوروبا هو تماثل نظمِها في الديمقراطيةِ والحرية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، وسيادة القانون. لم يعد هناك صوتٌ في دولة أوروبية يدعو للانفصال، أو الاصطفاف العرقي أو الديني. الاتحاد الأوروبي يجمع بلداناً بعضها يتبنَّى المذهب المسيحي الأرثوذكسي، ومنها ما يتبع المذهب الكاثوليكي، أو المذهب البروتستانتي. الحرية توحّد، والديمقراطية تحمي، والعلم يبني. الديكتاتورية معولُ الهدم والتفرقةِ والتشظي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من الوحدة الشاملة إلى براكين الدَّم والتَّشظّي من الوحدة الشاملة إلى براكين الدَّم والتَّشظّي



GMT 13:01 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

السُّقوط الثَّاني

GMT 12:58 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع... لو أباحت بما لديها الطُلولُ!؟

GMT 12:26 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

أوروبا في عين أميركا المحافظة

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

واقعة ميت عاصم!

GMT 11:08 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

في انتظار الحرب والسلام؟!

GMT 10:58 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

ضَمٌّ مُمَنهَج... وعالمٌ يتفرج

GMT 10:53 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

إسرائيل والإسراع في عملية ضم الضفة الغربية

GMT 10:50 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

«ميونيخ للأمن»... تفكيك ملامح العالم القديم

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 07:39 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
المغرب اليوم - استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:08 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 26-9-2020

GMT 20:34 2016 الأحد ,17 إبريل / نيسان

15 نصيحة لتطويل الشعر بسرعة

GMT 17:35 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 18:18 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib