العامل والسقالة والوعي

العامل والسقالة والوعي

المغرب اليوم -

العامل والسقالة والوعي

أمينة خيري
بقلم : أمينة خيري

لم يعد سقوط عامل أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر من على سقالة أثناء أعمال البناء أو غيرها أمراً نادر الحدوث. «سقوط أربعة عمال من أعلى سقالة داخل نفق خاص بالأوتوبيس الترددى» «إصابة 8 عمال سقطوا من سقالة فى بنها» «سقوط عامل من أعلى سقالة فى الدقهلية» «مصرع نجار مسلح سقط من أعلى سقالة فى طنطا» «سقوط عاملين من سقالة فى الإسكندرية ووفاة أحدهما» «إصابة ثلاثة عمال سقطت بهم سقالة فى قرية فى الساحل الشمالى» «مصرع عامل بناء سقطت به السقالة فى الشرقية» وغيرها الكثير من سقوط العمال من أعلى سقالات على مدار أقل من شهر واحد فقط.

المؤكد أنه ليس موسم سقوط سقالات. والمؤكد أيضاً أننا نؤمن بالقضاء والقدر والأعمار المكتوبة والمحددة سلفاً. لكن المؤكد أيضاً أن لدينا مصيبة، وليست مشكلة فيما يتعلق بمنظومة السلامة والأمان. وهى منظومة لا تقتصر على السقوط من أعلى السقالات، ولكنها تمتد إلى كل تفاصيل إجراءات السلامة أثناء العمل، لا، ليس العمل فقط، ولكن فى أغلب تفاصيل الحياة.

تابعت تعليق مستشار وزير العمل للسلامة المهنية السيد خالد عبدالله على واقعة إصابة ثمانية عمال إثر سقوط جزئى لسقالة فى بنها. قال إن الأخشاب المتهالكة المستخدمة فى بناء السقالة، وقلة وعى العمال أهم أسباب الحادث، وإنها مشكلة متكررة «مع المقاولين والعمال» وإن «السقالة مسئولية المقاول»، وإن وزارة العمل تتابع حركة البناء على مستوى الجمهورية، وإن حملات التفتيش مستمرة.

أرى المشكلة أعمق وأكبر وأخطر من تحديد الجهة المسئولة عن السقالة، وحالة الخشب، وموقف المقاول، ووعى العامل. سقالات البناء، وتركيب لوحات الإعلانات على الطرق، وأعمال البناء والطلاء لا فى المشروعات الكبرى فقط، ولكن تلك الخاصة بالشقق السكنية والعمارات والفيلات، وتركيب أجهزة التكييف، وأعمال السباكة التى تتطلب «شعلقة» العامل فى «منور» عمارة من الخارج، وغيرها الكثير ليست نتاج اليوم، ولا تقتصر على صفحات الحوادث، ولكنها منظومة معروفة وقديمة.

مشهد العامل المعلق بين السماء والأرض، سواء كان مربوطاً بحبل بدائى، أو معتمداً على قدرته على حفظ توازنه لا يلفت انتباه الغالبية التى اعتادته. أحياناً أشعر أننى الوحيدة التى أصاب بفزع بالغ أمام هذه المشاهد المتكررة. على مدار سنوات، تحول الفزع إلى شعور بالضعف وقلة الحيلة. من تجارب شخصية فى الحديث مع بعضهم، فوجئت أن فكرة اتباع إجراءات أمان ولو بدائية، ينظر إليها باعتبارها تشكيكاً فى قوة العامل وبأسه ورجولته!! آه والله. ليس هذا فقط، بل إن بينهم من يسخر من الزملاء الذين يخشون السقالة وغيرها من أعمال تتطلب «الشعلقة» فى الهواء، أو يطلبون أن يتم ربطهم بحبل على سبيل الاحتياط.

أعرف شاباً تعرض لحادث كاد يفقده حياته قبل سنوات، بعد ما وقع من على دراجته النارية، وارتطمت رأسه بالرصيف، ولم يكن يرتدى الخوذة الواقية. ظل راقداً فى غيبوبة لأيام، وحدثت المعجزة وأفاق، وأخبره الأطباء أن عودته إلى الحياة أشبه بمعجزة، وأنه لو كان يرتدى خوذة لاقتصرت إصاباته على كدمات وخدوش. وبعد أشهر عاد لحياته العادية، وقاد دراجته النارية بدون خوذة. سألته وأنا أكاد لا أصدق، فجاء رده: دى حاجات بتاعة ربنا. ولا 100 خوذة ستمنع القدر».

القانون، وتطبيقه، واستدامة التطبيق فى حد ذاتها معضلة، لا فى حماية العمال من الوقوع من السقالات، ولكن فى الكثير من المجالات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوانين السير والقيادة، وتلك المتعلقة بحماية وصون الأماكن العامة مثل الأرصفة والشوارع وحرم محطات ومواقف المواصلات العامة وغيرها، ومكبرات الصوت، والقمامة والنظافة العامة، وغيرها.

المعضلة الأخرى التى تسير بالتوازى مع مشكلات تطبيق القانون (أو عدم تطبيقه أو تطبيقه يوم آه ويوم لأ) تتعلق بالثقافة والوعى. وأخشى من أن يتم اختزال الأمراض المتعلقة بالوعى فى اعتبار المساجد والكتاتيب الحل الوحيد.

ثقافتنا ووعينا «بعافية». ومفاهيمنا الشعبية المتعلقة بالأمن والسلامة متداخل فيها عنصر الإيمان بالقضاء والقدر. الإيمان بالغ الأهمية، لكن التحجج به لتبرير أو تعليل أو تمرير إهمال أو جهل أو تقاعس أو تهاون جريمة.

الثقافة لا تُبنى بين يوم وليلة، والوعى لا يتكون بإضافة مقادير وخلطها والخروج بوعى جديد صحى إيجابى يواكب القرن الـ21 لا القرن الـ12. حين تتشابك مفاهيم الرجولة والجدعنة والجسارة بألف باء السلامة، فهذا يعنى عواراً مميتاً. وحين يغيب مفهوم حق الناس فى أماكن وفضاءات عامة للجميع، لا لفئة قررت أن تحتلها أو تعتبرها ضمن «أكل عيشها»، وحين يتم النظر إلى بديهيات النظافة، سواء الشخصية أو العامة، باعتبارها رفاهية أو اختيارية، فهذا يعنى أننا فى وضع يحتاج الكثير من التدخلات المستدامة، لا الموسمية لإعادة بناء الوعى وصناعة الثقافة.

كلمة أخيرة، مع كل الاحترام لزملاء المهنة، دغدغة المشاعر بمسميات «شهيد لقمة العيش» لوصف أبناء الوطن الذين يفقدون حياتهم نتيجة إهمال وتهاون وثقافة مهلهلة، هى مساهمة فى المزيد من اختلاط المفاهيم وتغييب العقول.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العامل والسقالة والوعي العامل والسقالة والوعي



GMT 23:28 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة جميلة من الأزهر... لكن العقبة إيران

GMT 23:26 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نكتة الموسم… وساطة إيرانية في اليمن

GMT 23:24 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هوبز وفيبر أم نوّاف الموسوي؟

GMT 23:22 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هل من ضوء فى نهاية النفق؟

GMT 23:20 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة فى المغرب

GMT 23:18 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

الكونغ فو والخلايا الجذعية

GMT 23:15 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أمريكا التى عرفتها !

GMT 23:13 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

عادل إمام يطل على (الجونة)!!

إليسا تتألق بصيحة الفساتين بالأكتاف المنسدلة بالتزامن مع عيد ميلادها

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 06:37 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
المغرب اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 11:58 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

حسام حسني يحلّ ضيفًا على برنامج "من غير سياسة" الإذاعي

GMT 20:33 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 16:04 2021 الإثنين ,20 كانون الأول / ديسمبر

محمود التركي مسك ختام حفلات مهرجان "أم الإمارات" في أبوظبي

GMT 12:48 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 26-9-2020

GMT 08:30 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

اعتقال قاصر اعتدت على تلميذة بشفرة حلاقة في الدار البيضاء

GMT 02:25 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

أضيفي البهجة على ديكور منزلك في احتفالات عيد رأس السنة

GMT 10:39 2019 الأحد ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

ثلاث هزات أرضية تضرب إقليم الحسيمة

GMT 14:49 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الفيفا يحدد نظام تأهل ثلاث فرق إفريقية لمونديال الأندية

GMT 13:29 2019 الجمعة ,30 آب / أغسطس

فضية وبرونزية للمغرب في سباق الماراطون
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib