رهينة لا مواطن

رهينة لا مواطن

المغرب اليوم -

رهينة لا مواطن

وائل عبد الفتاح


لم أستطع منع عينى من النظر والتحديق فى المشهد.

فى تقاطع شارع رمسيس مع شارع ٢٦ يوليو.. كان الميكروباص يقف معبرا عن حالة سلطوية، معترضا الطريق كما يفعل العشوائى وصاحب السلطة، هما فقط اللذان يتصرفان فى الشوارع كما لو كانا يملكانها ونحن ضيوف بلا حقوق فيها.

كان ذلك فى الساعات الأولى من اليوم.. الخامسة تقريبا، حيث تبدأ المدينة فى استيقاظها الهادئ.. ويتسلم أهل النهار النشطاء ما يودعه أهل الليل بكل تنويعاتهم وأنواعهم وأشكالهم.

وفى هذا التوقيت وفى تلك النقطة الحيوية، كان مجموعة من المصريين (كلهم شباب) يقفون فى طابور رافعين أيديهم لأعلى، بينما أمامهم مجموعة أخرى أجسامهم أقوى يرتدون ملابس مدنية.. ويقومون بتفتيش كل منطقة فى جسد الواقفين بالطابور، الذين بدا عليهم استسلام غريب.. وانكسار لم تخفِه مشاعر القلق مما سيحدث بعد طابور التجريد، الذى وقعوا فيه رهينة وفى قلب القاهرة وعلى مرأى ومسمع من سكانها العائدين من الليل أو المقتحمين للنهار.

المشهد ليس جديدا، وتفسيره ليس ملغزا، فهؤلاء ليسوا جنود احتلال أو عصابة قطع طرق، لكنها فرق الشرطة التى تنفذ عملها الروتينى المعتاد بهذه الطريقة التى أصبحت «روتينية» إلى درجة موجعة، ومهينة، ومثيرة لفزع طويل الأمد.

فهذه الجحافل لا تحقق الأمن بهذه الطريقة.. (لكن أسلوب العمل المعتمد والمتعارف عليه.. لدرجة تجعله فوق القانون وقدرات المسؤولين، خصوصا مع دعم التنظيم السرى الساعى إلى تثبيت نصيب طائفة الشرطة فى تقسيمة السلطة).

إذن ماذا تحقق هذه الغارات التجريدية (ليس نسبة إلى الفن التجريدى.. وإنما إلى فعلها فى تجريد الناس من شروطها الإنسانية)؟

هل تحقق مثلا اللذة؟ أو التعويض عن الشعور بالدونية أو قلة الحضور الإنسانى؟ هل التصقت جحافل الشرطة بأسلوبها إلى درجة لا يفكرون فيه فى معنى أو يتصورون أنهم يؤدون عملهم؟ هل عمل الشرطة هو إفقاد الناس شعورها بالكرامة والإنسانية ليسهل حكمهم؟

لكننا لسنا فى عالم معزول ونرى إن لم نكن نسافر لنعيش حياة أخرى.. وأساليب مختلفة.. وهو ما يجعل هذه الجموع تدافع عن «إنسانيتها المفقودة» كما حدث فى جمعة الغضب على سبيل المثال.

هل يفكرون مثلا أننا يمكن أن نستسلم لهذه المشاعر القاسية والموجعة بأننا رهائن.. وأن هناك من يريد أن نعود إلى وضع تكلمت عنه كثيرا أيام مبارك، حيث يريدوننا «قطعانا تعيش فى مستوطنة عذاب كبيرة»؟ هل هى خطة لتكوين أو إعادة تكوين سلالة «الإنسان المهدور»؟

والوصف كما أشرت إليه عدة مرات هو عنوان كتاب لعالم مصرى متخصص فى علم النفس هو الدكتور مصطفى حجازى. و«الإنسان المهدور» درجة أعلى من الإنسان الذى يعيش تحت ضغط القهر والاستبداد والطغيان. وبتعبير بسيط هو إنسان يتعرّض لـ«عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات أو الحق فى تقرير المصير والإرادة الحرة وحتى الحق فى الوعى بالذات والوجود».

المقهور يمكنه أن يرفض ويتمرد ويثور، ورغم كل شىء فإنه يحصل على اعتراف من السلطة التى تقهره، بشرط أن يخضع لمشيئتها ورغبتها. أما المهدور فإنه يتعرض لشىء أفظع: عدم اعتراف السلطة بوجوده أصلا. تقتله، تعذّبه، تحرمه من حقوقه، تزوّر إرادته، تسرق ثرواته، وتلغى وجوده.

أسئلتى ليست تعبيرا عن وجع تحديقى فى طابور «الرهائن» الصباحى.. لكنه تفكير واقعى: هل يتصورون أن قدراتهم ستحولنا جميعا إلى سلالة مهدورة الإنسانية؟ وهذه القدرات الخرافية ستتمكن من مهمتها المذهلة بالقضاء على كم شخص يعملون بالسياسة أو يكتبون لتذكرة الجميع بالإنسانية المهدرة؟ هل يفكرون بهذه الطريقة فى الدفاع عن فشلهم فى تحقيق الأمن.. وفى الحكم الرشيد؟

نكتب هذا والداخلية غاضبة من الهجوم عليها فى الصحف، وبدلا من التحقيق فى الجرائم اليومية توجه بلاغات ضد الصحفيين.. والصحف.

نكتب هذا بينما يهرب السياسيون بمختلف أطيافهم.. من مناقشة خطة تحويلنا إلى سلالات من الرهائن لدولة طوائف، فاشلة وعاجزة.

يغرق هؤلاء فى تأويل الهجوم: هل هو صراع أجنحة؟ أم خطة إخضاع طائفة لمجموعة الحكم؟

التأويل يسرق كل إمكانات الحوار حول سؤال بسيط: كيف نمنع الإهدار اليومى لإنسانيتنا؟ كيف نهرب من مصير القطعان المهدورة؟

أما التأويلات فتسلَّ بها فى المساء والسهرة أو داوِ بها أوجاع مشاهدتك للطوابير المنتظرة لذة العاجزين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رهينة لا مواطن رهينة لا مواطن



GMT 15:51 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 12:29 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 12:27 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 12:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 12:19 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 12:12 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التبرع بالجلد معركة حضارية

GMT 12:07 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

هل تنتظر المونديال؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib