الديكتاتورية للمبتدئين

الديكتاتورية للمبتدئين

المغرب اليوم -

الديكتاتورية للمبتدئين

وائل عبد الفتاح
إنها فعلا ديكتاتورية بائسة.. خيالها فقير.. بل معدوم. رئيس جمهورية منتخب بنسبة ٥١٪ قرر أن يصبح ديكتاتورا ووجد من يدفعه إلى الأمام. فريقه الاستشارى لا يعرف شيئا، ووزير عدله يتحفظ، والشخصيات المختارة للدفاع عن الإعلان فى الفضائيات، ليس لديها أكثر من كلمات قليلة تبدأ بـ«ماذا يفعل..؟» وتنتهى بـ«وما الحل الآن... الرئيس لن يتراجع...». لم يقل أحد لكل هؤلاء إن إصدار الإعلان الدستورى ليس من حق رئيس منتخب، لأن هذا الحق رهْن بأن تكون «سلطة أمر واقع» أى ليست سلطة منتخبة مثل سلطات الانقلاب أو الاحتلال أو فراغ سياسى. لم يفكروا لأن شهوة افتراس الغنيمة لدى المرسى وجماعته أقوى من التفكير والمقاومة. ليس مهما الآن مَن ورّط المرسى فى إعلان يفتقر إلى معرفة القانون أو الدستور أو التاريخ أو السياسة أو حتى اللغة، فالحكايات عن ملابسات التوريط أصغر وأكثر تفاهة من كل توقع. وليس مُهمًّا كيف يفكر المرسى فى الخروج من ورطته.. وكلها طرق تكشف عن قلة حيلة جماعة الإخوان ومن أحاط بها أملا فى نصيب من الغنيمة. المهم أننا أمام محاولة لبناء ديكتاتورية جديدة، هدفها ليس تنصيب المرسى ديكتاتورا فقط، ولكن بناء دولة القبيلة الواحدة التى يكون لها الحكم والسيادة فى مقابل إلقاء الفتات للجميع باعتبارها مِنَحًا أو بعضا من كرم القبيلة الغالبة. هذه العقلية يكشفها الإعلان الدستورى ويكتمل الاكتشاف بخطبة الديكتاتور لقبيلته المحتشدة أمام القصر، يطمئنها أن الثورة أصبحت فى يده وليس الحكم فقط... فالجماعة كان يرهقها أن مشاركتها للثورة ليست خالصة والحل كما فى كل التنظيمات الفاشية (دينية أو سياسية) هو إعلان أن الثورة ثورتنا.. والدولة أصبحت دولتنا. المرسى لم يكن مرشحا للثورة حتى، لكنه الآن يبرر ديكتاتوريته بأنها حماية للثورة، ويسميها قرارات ثورية، ويضع تأييدها معيارا للانتماء للثورة.. وهذا يكشف عن الضحية الكامنة فى أعماقه وتريد إعادة إنتاج جلادها، فما فعله بالضبط هو سلوك الانقلابات العسكرية، وتفوق عليها بما لم يستطع أعتى مجانين الاستبداد، فحصن قراراته بأثر رجعى، ومنح لنفسه حقا مطلقا فى اتخاذ إجراءات أو تدابير لحماية الأمة. ولأنها ديكتاتورية بائسة، فقيرة الخيال، فإنها قسمت الدولة والمجتمع بما يجعل العنف الأهلى قريبا، وهو ما تراهن الجماعة على أنها قادرة بحشودها على حسمه، متخيلة أنها بحماية الرئيس لجهاز الأمن فإنها تضمن ظهيرا مسلحا قادرا على القمع كما يحدث الآن. المرسى يتصور بذكاء عضو الجماعة وابن القبيلة، أنه يستخدم الدولة الأمنية، ولا يدرك أن الدولة الأمنية تستخدمه، ولديها خبرة ٢٨ يناير ٢٠١١، حيث دفعت وحدها فاتورة استبداد مبارك، وهو ما لن تكرره. التحالف بين الرئيس والشرطة ليس كاملا ولا على بياض، خصوصا مع عدم قدرة أحد فى مؤسسات الدولة الفاعلة (القضاء أو الإعلام) على الدفاع علنا عن إعلان بهذه الركاكة والبؤس. لا حل أمام المرسى إلا التقدم إلى الأمام، مستخدما أجهزة القمع (الأمن) والتضليل (الإعلام) ولأنه ليس لديه كوادر تتمتع بالكفاءة أو الخبرة، فإن هذه الأدوات تفتقد فاعليتها أمام وعى صنعته موجات الثورة المتتالية فى مواجهة مبارك ونظامه، ثم فى مواجهة المجلس العسكرى، والآن فى مواجهة الديكتاتور وقبيلته. الوعى الجديد يتحرك بروح كسرت الخوف، وتواجه بصدرها المفتوح كل من يحاصر أحلامها فى حرية وكرامة وعدالة اجتماعية، أو يعيد بناء الديكتاتورية، ويتصور أن الثورة غنيمة سهلة.. هذه الروح تطارد كل ديكتاتور، سواء كان جنرالا أو مندوب جماعة تقتلها شهوة الاستحواذ والتكويش.. كلهم يصفون الثوار بالبلطجية والثورة بالمؤامرة.. وكلهم لا يدركون حقيقة أن الثورة مستمرة وتحطم متاريس كل سلطة. المرسى لم يتعلم من الدروس المستفادة من فترة المجلس العسكرى، وفهم أنه بالحصول على إعجاب أو رضا الإدارة الأمريكية يمكنه أن يفعل ما يشاء، أو يستخف بما فعلته الثورة فى شعب لم يعد سهلا ترويضه. الموضوع واضح تماما، إما القبول بديكتاتورية تبنى دولة القبيلة الواحدة كلنا فيها رعايا الجماعة.. وهو القبول الذى سيفجر عنفا أهليا لا يعلم أحد إلى أين سينتهى. وإما أن يدرك الجميع أن هذه بلدنا جميعا، ومصلحتنا أن نعيش معا فى ظل دولة حديثة.. قوامها المواطنة.. ومعيارها حماية حقوق كل فرد فيها. بدون هذا عنف لا حدود له سوف يجىء. نقلاً عن جريدة "التحرير"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الديكتاتورية للمبتدئين الديكتاتورية للمبتدئين



GMT 15:51 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 12:29 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 12:27 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 12:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

GMT 12:19 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عندما لا تشبه النتائج السياسات

GMT 12:12 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

التبرع بالجلد معركة حضارية

GMT 12:07 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

هل تنتظر المونديال؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib