التحرش فى الميدان

التحرش فى الميدان

المغرب اليوم -

التحرش فى الميدان

وائل عبد الفتاح

هل ستحولنا الثورة إلى ملائكة؟ أتمنى أن أسأل كل من يصدم بالتحرش الجنسى فى ميدان التحرير. الصدمة تشير إلى حالة إنكار لا يفيد حتى فى محور الشعور بالإهانة والألم النفسى. تخيل أنك وسط ملايين تهتف من أجل الحرية.. ثم يهبط فجأة مجرمون ويسلبونك من إرادتك.. ويتعاملون مع جسدك كأى فريسة.. هذا فى وسط لحظة الشعور بمنتهى قوتك.. وأنت تواجه سلطة تتكسر كل يوم أداة قمعها الشرسة.. نعم أنت فى ميدان وسط ملايين تتحدى.. آلة قمع السلطة التى تبدأ قمعها بالجسد.. تضربه وتدهسه وتسحله.. وتقتله.. وتتكسر هذه السلطة بتحديها.. بالوقوف فى وجهها: «لست خائفا» لكن مجرما.. لا يفتقد إلى الخسة.. يتسرب وسط الجموع ليسرق هذه المرة هذه الروح.هذا هو التحرش فى الميدان بكل التوحش والخسة. والمدهش أكثر من المتحرش هو الشامت الذى يتصور أنه يحمل دليلا ضد الثورة بإعلانه أن فى الميدان تحرشا جنسيا.هذا نوع رخيص من التواطؤ.. لا ينافسه سوى من يطالب بالصمت حفاظا على سمعة الميدان.. هما نوع واحد من الخسة.. مقسوم على فريقين.. الثورة كما كتبت مرة البحث عن القوة فى مناطق الضعف، وهذا ما يجعلنا نواجه خطايانا وجرائمنا لا ننكرها ونداريها أو نضع عليها ستائر ملونة أمام الضيوف.. ومنذ سنوات توقفت أمام المعنى السياسى لحفلات التحرّش الجماعى.. وقلت إنه ربما يكون صادما لبعض المنتظرين لأمل الإصلاح، لكنه معنى يكبر كل يوم.«التغيير سيأتى مثل حركة البخار فى إناء محكم الإغلاق».. النظام بأجهزته الأمنية وصحافته أنكرت «حفلات التحرش الجماعية» قبل الثورة، لكنها اضطرت إلى الاعتراف بها. طاردت مراهقين عشوائيين هبطوا على المدينة فى عصابات شبه منظّمة يمارسون الفرحة بالعيد على طريقتهم. «إذا كان هذا هو الفرح... فكيف سيكون الغضب؟» كان السؤال وإجابته المتاحة: «اقتناص المتع بهذه الطريقة سيصبح عادة. وسيهبط المطرودون من رحمة النظام على قلب المدينة. يحاولون استعادة حقوقهم وساعتها سيأتون على الأخضر واليابس». كان البعض وقتها يتخيل مشاهد «ثورات الجوع» فى الأفلام التاريخية، وتكملها تنظير سياسى يسير إلى أن: «أحزمة البؤس المحيطة بالعاصمة ستنتقم وستوجّه انتقامها إلى منتجعات الأغنياء. وسيكون هذا هو ردّ الفعل المتاح على سنوات الظلم والطرد من العناية».ربما كانت حفلات التحرش فى شكلها الأولى رد فعل على تحوّل القاهرة إلى مدن بلا شوارع وبلا مكان عمومى لممارسة الحرية. الحرية فى تصميم النظام السياسى ليست علنية، بل سرية ومن حق أقليات مختارة وتُمارس خلف أسوار مستعمرات الأغنياء. والنخبة السياسية -حتى المعارضة- لم تهتم بتحرير الشارع إلا مع تظاهرات «كفاية»، التى حاولت كسر الأسوار. وحدهم «الرعاع» و«العشوائيون» القادمون من جهات الفقر فى القاهرة هم الذين يحاولون كسر علامات السلطة فى وسط المدينة. يحاولون اقتناص مساحتهم رغما عن قوانين السلطة، فيسيرون فى منتصف الطريق فى شوارع وسط البلد، ويحتلّ بائعو البضائع الرخيصة الأرصفة وتقاطع شوارع العاصمة.هكذا يمكن اعتبار حفلات التحرش احتفال «هستيريا جماعية» خارج السيطرة. جمهور الهياج الجماعى كله من المراهقين والشباب. وهذا يعنى -حسب الدكتور أحمد عكاشة- أن «كلا منهم مملوء بطاقات جنسية يصعب التنفيس عنها فى مجتمع مثل مجتمعنا. والحل كان فى امتصاص تلك الطاقة عبر قنوات مثل الإيمان والانتماء لعقيدة أو فكرة أو حزب سياسى والرياضة والفن. لكن إذا نظرت إلى ما يحدث فى مصر، فستجد أن قنوات امتصاص الطاقة الجنسية مسدودة. الرياضة أصبحت رفاهية لا تمارسها سوى قلّة قادرة، حتى المدارس هى كتل أسمنتية يحشر فيها الطلاب ولا يمارسون رياضة ولا غيرها. كذلك فإنه ليس مسموحا لطالب الجامعة الانضمام إلى مبادئ وعقائد أو أحزاب سياسية. يبقى الفن الذى كان الهادف والممتع منه يكفى لامتصاص الطاقات المكبوتة، إلا أن الإعلام تحوّل الآن إلى طرب وتسلية بلا ثقافة، واختزل الدين إلى طقوس من دون الجوهر». ثورات القطيع أو الرعاع أو العشوائيين ليست ضد السلطة، ولكنها ضد المجتمع. النخبة القديمة والعجوز قد لا تهتم بحرية امرأة فى السير بحريتها فى الشارع من دون تحرشات. لا تعتبر النظرة التقليدية للسياسة أن حرية السير فى الشارع هى حق سياسى. وأن الهستيريا الجماعية التى تتحرك مثل القطيع وراء قطعة لحم يريدون تعريتها أو لمسها بالقوة. قوة القطيع وفوضى الرغبات المكبوتة، هذه الهستيريا هى تعبير سياسى وإن كانت التعليقات المكتوبة فى المدوّنات فيها بعض المبالغة أو التهويل. ثورة الجوع الجنسى سياسية بمفهوم أوسع من الذى تعوّدنا عليه. وهى ليست مجرد سقطة أخلاقية جماعية أو أخطاء أمنية فى حماية المواطنين. لكنها جزء من فكرة أكبر، وهى أن المجتمع فى مصر فاقد إلى قانون يرسم العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفرد والسلطة. وهو المنطق نفسه الذى يطارد به الشباب فتاة فى الشارع، فهم طامعون فيها ولكن قبل ذلك يقومون بتعريتها من حقها ويمارسون عليها رقابة أخلاقية تضعها فى خانة «المثيرات جنسيا» ويحق عليها العقاب: التحرش والمضايقة كنوع من ممارسة سلطة سلبية تمنع النساء من حق الحرية والأمان فى الشارع. ربما لا تكون ثورة الجوع الجنسى جديدة. لكنْ هناك احتياجا إلى «ثورة مضادة» تطالب بشارع نظيف من التحرش. وربما ستكون حركتها هى الأقوى فى طريق الإصلاح السياسى لأنها ترفض سيطرة الغوغاء على الشارع بنفسية الضعيف الذى يقتنص فريسته وفق قانون يخضع للأقوياء ويحميهم، بينما يترك الضعفاء فى حرب أهلية. إنها ثورة ضد الخوف، ضدّ السلطة والغوغاء معا. وهى قضية أعتقد أن الكلام لم ينته فيها بعد. نقلاً عن جريدة "التحرير""

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التحرش فى الميدان التحرش فى الميدان



GMT 04:16 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:11 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

GMT 04:08 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

من مفارقات هذا الزمان

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:43 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:24 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:11 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib