لكى نفهم ماذا حدث للمستشار مكى

لكى نفهم ماذا حدث للمستشار مكى؟

المغرب اليوم -

لكى نفهم ماذا حدث للمستشار مكى

وائل عبد الفتاح
ليس المهم أن تقع فى الخطأ. المهم كيف تراه؟ وكيف تعالجه؟ المستشار مكى وزير العدل… يتورط كل يوم فى سلطوية تكاد تُغرقه ولا يبقى ظاهرا منه شىء من الوجه الذى عرفه المجتمع المدنى كرمز للدفاع عن استقلال القضاء. ويميل عشاق الدراما الفاقعة إلى أن هذا تحوُّل فى الشخصية بالدفاع عن الكرسى. وهذا هو التصور السهل، الذى يجعل الإحباط شخصيا أو موجها إلى رجل واحد… لم يستطع إخفاء تحولاته التى بدت زاعقة بما يفوق قدرة العقل العادى. فكيف يدافع الوزير مثلا عن تميز ابنه فى الانتداب إلى قطر وهو لو راجع نفسه سيكتشف أن الانتداب كان من ضمن أدوات السلطة فى التجول داخل مجتمع القضاء بالجزرة اللذيذة لاختيارهم فى إعارات إلى دول حسب الطلب، ولو راجع أكثر وأدرك فكرة كراهية المجتمع لفكرة التوريث وتضارب المصالح، ثم لو أنصت قليلا للمعنى السياسى الذى يعنيه السفر إلى قطر بالذات.. لما قال الكلام الذى أغرق به الفضائيات وقيل إنه تهكُّم أو سخرية.. وقيل أيضا إنه يكشف عن مشاعر استعلاء كانت مضمَرة، ليرى فيها أن عائلته هم «أسياد البلد». أميل فى الحقيقة إلى أن ما قاله مكى هو محاولة تهكمية، لكنه تهكم الفاقد لأعصابه.. ليس أكثر. لأنه مثلا لو لم يفقد أعصابه ما كان لينسى أن الإعلان عما يتضمنه تقرير الطب الشرعى فى قتل محمد الجِندى.. يعتبر «جناية» من الناحية القانونية.. ودليلًا على جريمة اللعب فى قضية تعذيب واغتيال كاملة الأوصاف. إنه يتورط.. من الدفاع عن حق ابنه إلى إعادة إنتاج الآليات القديمة لتغطية جرائم السلطة. ماذا يحدث لمن يصل إلى السلطة؟ هل يدخل فضاء سحريا يبدل كيانه ويحوله إلى كائن سلطة؟ قلة الكفاءة أعادت الدولة فى مصر إلى عصورها البدائية، حيث الأساسيات صعبة من أنبوبة الغاز إلى الطريق الآمن، والتصورات السلطوية أيضا أعادت الرئيس ومستشاريه إلى ما قبل الدولة. المرسى وفريقه من فصائل إلغاء السياسة، يستبدلون بها سلطتهم المعنوية السابقة، ويكاد يكون شعارهم: «ما دمنا فى الحكم… فاطمئنوا». نرجسية ترى الديمقراطية وسيلة لوصول الحكم إلى مستحقيه، وهم بالطبع مستحقوه، ومجرد وجود كل هؤلاء الرجال الطيبين فى موقع السلطة، فإن الخير تحقق. هذه النرجسية كاشفة الآن لمأزق رهيب يجعل مثلا تيار استقلال القضاء الذى هزّ مصر كلها سنة ٢٠٠٥ عندما كشف عن تزوير الانتخابات… وأصبح كلٌّ من المستشارَين محمود مكى وهشام البسطويسى رمزًا لثورة القضاة على الطغاة. وكما كان المستشار محمود مكى وهو نائب للرئيس شريكا، كذلك المستشار أحمد مكى وزير العدل.. ويسبقهم رمز هذا التيار المستشار حسام الغريانى فهو صانع كارثة الدستور والمعطل الرئيسى لمجلس حقوق الإنسان. هم جميعا شركاء فى إعادة هندسة الفراغ السياسى لتكون السلطة مركزها المسيطر والمهيمن، وحجتهم أن السلطة الآن نظيفة اليد. الأخلاق الشخصية هنا بديلة للسياسة، مع أن طبيعة الشخص ترتبك أمام السياسة التى هى عملية لها سيرورة وليست حدثا تستعرض فيه الأخلاق نصاعتها، لكنها قواعد تُوضع فوق الجميع ويتساوى أمامها الجميع، ولا ترتبط بحسن أخلاق أحد أو بملائكية آخر.. وهكذا. بدا واضحا الآن أن مفهوم استقلال القضاء لم يرتبط فى مفهوم هذه المجموعة بالحريات ولكن بهيبة القاضى ولهذا فحكايتهم الأيقونية هى حكاية القاضى العز بن عبد السلام الذى أصرّ على بيع الحاكم المملوكى لأنه مملوك… هيبة القاضى هنا لم تحرر العبد لكنها اعتبرت أن تنفيذها للثقافة السائدة ندِّية مع السلطة. وهذا المفهوم يرتبط بالسلطة ويرى «أننى ما دمت موجودا فى السلطة فهى نظيفة…» وليغلق الفضاء على هذه الذوات النظيفة.. ولا مجال للحريات أو لهندسة خارج حدود هذه الهيبة النرجسية. هكذا فإن أول مشاريع وزير العدل قانون جديد للطوارئ، يحاول أن يمرره فيفشل فيغيّر قناعه ليصبح «قانون الحفاظ على مكتسبات الثورة» باعتبار أن الثورة هى الرئاسة الآن ولا شىء خارجها… وانتصار الرئيس فى معركة النائب العام ولو كانت تنفخ سلطة الرئيس، فإنها بالنسبة إلى مهندسها نائب الرئيس، تطهير للقضاء لأن نيتها جيدة ومن يقوم بها رئيس طيب. هذا تقريبا ما يدور فى عقلية الحكم، فهم يستبدلون السياسة بالأخلاق، ويعتبرون ذواتهم بديلا عن الكيانات السياسية، ووجودهم وحده يكفى. وهى مفاهيم وتركيبات ستدمر نفسها بعد أن تكون قد أسهمت فى مزيد من الكوارث. نقلاً عن جريدة "التحرير"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لكى نفهم ماذا حدث للمستشار مكى لكى نفهم ماذا حدث للمستشار مكى



GMT 12:16 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 12:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 12:14 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

GMT 12:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 12:12 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 06:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

GMT 06:04 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

الشرق الأوسط والغيبوبة

GMT 05:56 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

اقتصاد الليل

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib