نخنوخ والبلتاجى

نخنوخ والبلتاجى

المغرب اليوم -

نخنوخ والبلتاجى

وائل عبد الفتاح
كان الإخوان يبحثون عن نخنوخ (هم). وكان البلتاجى يرشح نفسه بقوة. ولأن الوزير محمد إبراهيم واقعى جدا فإنه تحدث ببساطة، كأنه أمر واقع عن رسائل نخنوخ التى يطلب فيها لقاء البلتاجى فى تلميحات جنسية لا تخفى عمن يعرفون تاريخ القهر الجنسى فى السجن، التى تقع بالمناسبة فى دائرة مسؤوليته. محمد إبراهيم ابن قوانين الخضوع للقوة ولهذا خدم الإخوان، وأجهزته قتلت وخطفت وعذَّبت أعداء الإخوان، ثم عندما ظهر أن دولة الإخوان ذاهبة، ابتعد وسار فى اتجاه الأقوى. مبدأ «الخضوع للأقوى» أحد أعمدة الانحطاط المباركى الأصيلة، والتى تحول معها أداء الشرطة تماما إلى «حماية القوى، ويجسده الحاكم بقهر الضعيف، وهو بالطبع المواطن»، وهنا لا يعرف إبراهيم ولا غيره من أبناء هذه التربية حقوق الفرد العادى إلا بمنطق «الوردة فى عروة الجاكتة» فهم يرون الأمن يتحقق بالهيبة، والتخويف، وإثارة الرعب. إنها السلطة المنفوخة التى تقدم الأمن مقابل الكرامة، ولا تتذكر القانون إلا حين تلفّه وتديره لتلفّق به أو تستّف به أوراقها لتهرب من المحاسبة. والإخوان عثروا على محمد إبراهيم بعد تكاسل أحمد جمال الدين فى خدمتهم، لكنهم لم يعثروا على نخنوخ، وإن كان البلتاجى لعب كل الألعاب ليكون نخنوخا ولم ينجح. نخنوخ قال فى التحقيقات إنه «رئيس جمهورية» وكان يعنيها.. هو ابن عصر تقسيم الدولة إلى «جمهوريات» أو إقطاعيات يدير كل جمهورية «كبير» موثوق به، يُترك له السلطة والثروة والسلاح ليسيطر على «جمهوريته» ويضمن الولاء للريس الكبير. نخنوخ بالتأكيد كان سيصبح وزيرا للداخلية أو للاستثمار، إذا ما عاد مبارك أو عائلته أو المافيا المولودة برعايته. نخنوخ أمير، كما سمَّته الصحافة، لكنها أخطأت حينما استسهلت وحصرت إمارته فى البلطجة.. وهو لا يفصل بين «المافيا» و«الدولة» كلاهما بالنسبة إليه كيان واحد يحقق الاستقرار للبلد، ويمنحه فرصة تضخيم الثروة واتساع القصور وملاعب المتع الفاخرة. إنه «مثقف عضوى» بمعنى من المعانى المقلوبة، فهو مدافع عن مصلحة «البلد» كما رآها الريس، وكان يقصد فى تصريحاته الرئيس محمد حسنى مبارك، وهو صادق حين يقول إنه كان «يخدم البلد ويراعى مصالح المسؤولين الكبار الذين كانوا يحركون الدولة كما يشاؤون». هو ذراع السلطة، وكان من الممكن أن يتحول إلى عقلها إذا دارت الدائرة وأراد مركز (الجمهوريات، الإقطاعيات) مكافأة رجاله المخلصين أو تغيير مسمياتهم، ساعتها لن يكون نخنوخ أميرا للبلطجة، لكنه «بطل.. شعبى» له بطولات فى حماية البلاد من «العناصر المندسة» و«العملاء» بداية من السيطرة على الانتخابات وإلى السيطرة على استقلال «الجمهورية، الإقطاعية..» فى مواجهة الخطر القادم. وهذا ما جعل نخنوخ يعتبر أن له ثأرا مع الإخوان، وأن القبض عليه مؤامرة إخوانية، بينما كان يؤدى مهمته للحفاظ على أركان الدولة حتى يعود أصحابها. وعى نخنوخ ليس عابرا، ولا خرافيا، إنه الوعى السرى الذى حُكمت به مصر سنوات طويلة، واختير أهل الثقة من نوعية نخنوخ للسيطرة المحلية، بعيدا عن القانون وصداع الحقوق ومستلزمات الدولة الحديثة. حداثة نخنوخ فى المتع «خمر وحشيش» والصداقات مع النجوم، والقدرات الواصلة لحل أى مشكلة والوقوف أمام سلطات بيروقراطية تطبق قوانينها على المواطنين لكنها أمام «رئيس جمهورية» تتحول إلى خدم وحراس. وقف نخنوخ أمام أحراز القضية فخورا مبتسما، ابتسامة أكثر تماسكا من ابتسامة البلتاجى، هو محارب فى استراحة عابرة، يتوعد ويروى تفاصيل سيطرته على «جمهوريته» ويهدد باعترافات مصورة تورط أسماء خصّ منهم بالذكر، البلتاجى. نخنوخ يتجاوز إحساس المتهم إلى «المقاوم..» لسلطة تجلس الآن على مقاعد كان يعمل فى حماها ولاستقرارها. هو ابن نظام بنى شبكات من سلطة موازية أقرب إلى عصابات سرية تعبر عن وجود قوى موازية لسلطة الدولة. قوى مالية وعائلية وربما طائفية وسياسية، تحاول حسم الحروب الصغيرة، وقطع الطريق على من يهدد مصالحها عبر تجنيد عناصر مدربة فى عصابات محترفة. كان الشعور بوجود هذه العصابات أحيانا أخطر من وجودها فعلا، لأنها ربما تكون فى لحظة من اللحظات عنصرا حاسما فى حسم معركة سياسية أو قضائية، يتعطل فيها القانون وينتصر فيها الأقوى أو الأكثر قدرة على الإيحاء بأنه الأقوى. لم تُهزم هذه السلطة الموازية عندما سقط مبارك كما انهار حزبه، لكنها استمرت وشكَّلت الحرس الأخير للنظام. هؤلاء ليسوا بطلجية بالمعنى التقليدى، ولا مجرمين، إنهم حكام الدولة السرِّيُّون. وهذا ما أراد أن يكونه البلتاجى وفشل. نقلاً عن "التحرير"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نخنوخ والبلتاجى نخنوخ والبلتاجى



GMT 06:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

GMT 06:04 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

الشرق الأوسط والغيبوبة

GMT 05:56 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

اقتصاد الليل

GMT 05:54 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

دولة الأفكار الجديدة

GMT 05:46 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

روعة الوفاء !

GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib