من أين تأتون بكل هذه القسوة

من أين تأتون بكل هذه القسوة؟

المغرب اليوم -

من أين تأتون بكل هذه القسوة

وائل عبد الفتاح

نعم قسوتكم قديمة؟ أنتم أيها الرجال الذين تريدون أن ندفع جميعا ثمن تفرغكم لدراسة كتب الدين.. وتريدون مقابلها سلطة؟ ولا تكتفون بالسلطة على المؤمنين.. تلك السلطة الروحية.. لكنكم تريدونها أشد وأشرس، تمنع وتحرم فى الحياة كلها.. تريدون سلطة لها بعد سياسى، يحرم ويمنع ليس من البركة ولكن من الحياة والسعادة.. تريدون أن تحكموا فى الأرض بما تتصورونه، أو تدعونه من أنه حكم السماء. كم ضحية قتلت بسبب فتاوى شيوخ وقساوسة عبر تاريخ البشرية؟ وماذا فعلت البشرية لهؤلاء بعدما اكتشفت أن هذه الفتاوى/ الأحكام خاطئة/ فاسدة/ لا علاقة لها إلا بترسيخ سلطة تلك الفئة التى يسمون أنفسهم أو يسميهم المؤمنون بهم «رجال الدين..»؟ البشرية كلها أعادت هؤلاء إلى معابدهم إلا البلاد التى ما زالت مترددة على جسر الحضارة والإنسانية، وتضعهم فى مكان يمارسون فيه سلطة نشر الجحيم والتعاسة. ماذا سيستفيد الأنبا أراميا مثلا إذا عاش آلاف البشر تعساء، لأنه أراد أن يعيش على قانون «الغالب مسيطر وله الأمر والنهى».. وهو القانون الذى دفع المسيحيون ثمنه غاليا، بل وهو القانون الذى إذا مد على استقامته فسيلتقى مع آخر متطرف يجلس على حافة الحضارة فى تورا بورا ويتصور أنه الأحق وحده بالحياة وبتحصيل «جزية» من المسيحيين أو غيرهم.. فهو الغالب المنتصر. يمكن أن ينسى الأنبا أراميا لحظة خروجه من الدير أن هناك آلاف الأشخاص أو شخصا واحدا يرفض أن يمتثل لتعليمات الكهنة/ الشيوخ.. فمن أين أتى بكل هذه القسوة ليبتسم وهو يحيل حياته إلى عذاب؟ هذه قسوة قديمة عندما كان الدين يرتبط بالغزوات، والدول تتكون تحت رايات كل منها يحمل اسم الله؟ كان الغالب يفرض قوانينه، ويحول المغلوب إلى «إنسان درجة ثانية» وكل هذا باسم الله وبتوكيلات من السماء. كانت ممارسة سلطة الغالب باسم الدين... «الخارج عن هذه السلطة كان يعامل كأنه خارج عن الدين، كما أن الذى لا ينتمى إلى هذا الدين كان يخرج من رحمة السلطة وتميزه إما بإجباره على ارتداء ألوان ملابس محددة، وإما تركبه الحمار بالعكس وإما تدفعه الجزية».. المهم أن كل هذه الممارسات السلطوية تتخذ صفة الدين وإرضاء الله أو الرب.. «وهم هنا ليسوا أشرارا ولا قتلة بالفطرة.. إنهم صدقوا أن قسوتهم خير للبشرية.. لا فرق هنا بين كهنة الكنيسة فى القرون الوسطى وأمراء جماعات القتل باسم الإسلام..». انتهت هذه المراحل لأنها صنعت كوارث دموية واختارت البشرية طريقا آخر تمنح فيه الحق لكل إنسان أن يؤمن بما يريد «حرية العقيدة»، لكنها ألغت فكرة أن من حق رجال الدين وحدهم تقرير مصير وحياة شخص، بمعنى أنها سحبت السلطات التى تجبر البشر بالقانون على الإيمان. فماذا يعنى أن يعيش ٤٠ ألف أسرة مسيحية تعاسة، لأن البابا قرأ مقولة للمسيح بما يمنع الطلاق؟ هناك اجتهادات أخرى، وفى الدين دائما اجتهادات أخرى، هنا لا بد من فتح باب الاختيار لمن يريد أن يلتزم بتفسير البابا أن يلتزم ومن لا يريد الالتزام فلا مبرر لإفساد حياته. كما ليس هناك مبرر أن يلتزم غير المؤمنين بأديان سماوية بالرجوع إلى شرائع الديانات السماوية فى الزواج لتكون حياتهم قانونية. هذا خبل سلطة.. ليس إلا. فالمسلم فى البلاد التى أغلبيتها مسيحيون ولو كان فردا واحدا لا يجبر على طريقة زواج من الديانات السائدة، سماوية أو أرضية. الدولة كيان محايد ولا بد أن يظل محايدا على مسافة واحدة من كل إيمان كل فرد. الدولة هنا مهمتها توفير الطريق لسعادة كل فرد، نعم كل فرد لا أفراد بسبب دينهم أو لونهم أو حساباتهم فى البنوك، ولا يجب أن تخضع الدولة هنا إلى تفسيرات أو تصورات أى جماعة عن نفسها وعن أحقيتها فى الحياة دون غيرها. من أين تأتون بهذه القسوة وأنتم بكامل ابتساماتكم؟ وبمشاعركم الباهظة فى أنكم ترضون الله؟ من يسمح لكم بأن تحولوا حياتنا إلى جحيم، لأنكم تتصورون أن هذا طريقة الفردوس الأعلى؟ الإرهابى الذى يقتل يتصور أنه يرضى الله بالرصاصة، ورجل الدين الذى يستدعونه من مؤسسات يقولون إنها معتدلة يقتل أيضا لكن بفتوى.. هل صنعنا ثورة ليتبادل على قتلنا المتطرف والمعتدل، بالرصاصة وبالفتوى؟ هل نبنى دولة حديثة بالفتوى بعد أن كادت تسرق منا بالفتوى المضادة.. والفارق ليس كبيرا؟ لا دولة حديثة يقيمها رجال دين ولو معتدلون. نقلًا عن "التحرير" المصرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من أين تأتون بكل هذه القسوة من أين تأتون بكل هذه القسوة



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib