السعادة والسياسة

السعادة والسياسة

المغرب اليوم -

السعادة والسياسة

وائل عبد الفتاح

هل تُولَد الدول السعيدة بالأمنيات؟ لنتخيل أن الأصل فى السياسة، بكل ما تعنيه من عمليات إدارة الحكم، وبناء مواقف تتطور بها أدوات الحكم، هو الحصول على السعادة، وفى الديكتاتورية يحتكرها شخص واحد، وحاشيته وعصابته، أما فى الديمقراطية فتتسع نطاقات السعادة. هذا اختصار سيبدو للبعض مخلًّا، أو رومانتيكيًّا حالما أو منفصلا عن الواقع، كما يحب المتورطون الغارقون فى الواقعية اعتبار أن الواقع فقط، قلة الإمكانيات أو محدوديتها أو عجز الخيال. وكلما سمعت طلب «خليك واقعى» يتبعه كلام عن تحجيم الخيال، والنظر إلى الممكن، وهذه السياسة، لكن الثورة هى توسيع هذا الممكن، وكسر الأسوار المقامة حول واقع مغلق تتوزع فيه الأنصبة والمصالح حسب قوانين لم تعد صالحة. الواقعيون هم مقبرة الثورة، أما حفّارو هذه القبور فهم الخائفون من التغيير، عبّاد الاستقرار، اللاهثون باتجاه الأب بعد أن يموت الأب، والطالبون لمغفرة سلطة ظالمة بعد الثورة عليها. لكن هؤلاء لهم معذرة، سعادتهم فى الحفاظ على مواقعهم، والتواطؤ مع الأفق المسدود باعتباره الجنة الممكنة.. و«خليك واقعى.. أحلامك ودِّتنا فى داهية.. وثورتك نكستنا..». إنهم يرددون خطابات أسياد مرحلة الفساد والاستبداد، هؤلاء الذين حجزوا مواقع متقدمة فى مدرج السلطة، حين كان كل حياتك يمرّ فى البحث عن دائرة علاقات تمنحك النفوذ، أو أرقام تليفونات ضابط أو وكيل نيابة يعيد إليك الرخصة، أو يحميك من حفلات أقسام البوليس. لن تفرق معهم هؤلاء أن تمر الحياة فى تلك العمليات السخيفة، لكن مَن يردد كلماتهم تعبيرا عن عدم استيعابه للتغير ما دام يؤثر سلبًا (فى الدخل والأمن..) تلك الرشوة التى تمنح نظم الاستبداد.. لهم بعض العذر. إنهم واقعيون تعوَّدوا على العيش بالرشوة، وحياتهم ترتّبت فى انتظار «مستبد عادل»، المهم العدل، ولهذا وجد عشاق عبد الناصر متسعا للاحتفال وترويج فكرتهم: «.. إن مستقبلنا السعيد فى ماضى الديكتاتورية النبيلة..». كل هذا ليس عيبا فى حد ذاته، فجماعات المنتظرين لعودة الزعيم أو الأمير سيظلون كذلك، لكنهم يشعرون بالزهو فى غياب بدائل، أو عدم قدرة الشعب الذى نما فى الصحراء التى كانت قبل الثورة على مقاومة التصحر الجديد. بمعنى أن الثورة جاءت بعد عملية تصحير ممنهجة من نظام مبارك، قامت الثورة دون أحزاب، ولا كيانات سياسية، ولم يكن فى مجال الرؤية سوى شجرتين قديمتين الأولى لمنتظرى الخليفة (الإخوان)، والثانية لمنتظرى المستبدّ العادل (الناصريين)، وعلى اختلافهما فإنهما تنتميان إلى أيديولوجيات شعبوية، لها علاقة سلطوية بأتباعها. الثورة انفجرت والبلد كله صحراء، يقيم مبارك قلعته بجهاز أمنى، وعلى هامشه شجرتان إحداهما أكبر من الأخرى، وكلتاهما شاركت فى الثورة التى قامت على السلطوية من أجل استرداد الحق فى أن تكون الشجرة الواحدة.. غابة. وعندما تصور الإخوان أن شجرتهم ستحتلّ الصحراء وحدها، وكانت معركتهم الحقيقية ليست مع السلطة أو النظام أو مؤسسات الدولة العميقة ولكن مع مَن نشروا العشب الأخضر فى الصحراء.. كيف يحرقون الأخضر الذى ما زال بلا جذور؟ وكيف تعود الحياة السياسية يابسة لتتحول الشجرة إلى مظلة حكم الفقيه القادم من عصر الظلمات الأسود؟! العشب، الذى ينتشر بلا جذور كما يقول صديقى، الذى شعرت أنه قديم من أول جلسة، الدكتور طارق أبو النجا، لكنه قادر على تفكيك تلك الجذور القديمة للسلطوية، وانتظار المخلص الهابط من سماء النبوة أو البطولة المطلقة، ساعتها فقط يمكن أن تكون للعشب الأخضر جذور. لِنفكِّر قليلا... لا تمكن العودة إلى الصحراء والتخلص من الإخوان باعتبارهم خطرا، وليس تنظيما قريبا، ولا بد من التفكير: ماذا بعد...؟ هل ننتظر مخلصا، بطلا، مهما كان نُبله (ينافس نُبل عبد الناصر) فإن دورة قدرته على السعادة قصيرة قِصَر الفُرجة على فيلم فى السينما، فإن البطل بعد أن يهزم يتحول بطلا على الشعب الذى صنع منه البطولة خصوصا عندما يعود الشعب إلى الكنبة منتظرا المعجزات. هذا معناه، وبوضوح، أن هناك إمكانية للتصالح مع التاريخ ليس من مدخل التمجيد وتأكيد الأسطورة، لأن المجد عندما يكون فى الماضى فإن بؤس الشعوب يتجلَّى بانحطاط بالغ، كما أن الأساطير عندما تكبس على الأنفاس تتحول الأفكار إلى مجرد زغاريد أو لعنات. هكذا، فإننا من سنصنع سعادتنا، إن أردنا، أو على الأقل يمكن أن نسير فى رحلة إليها، إذا نظرت إلى الماضى بغضب وتخلصت من ثقله مع الاحتفاظ بالمحبة، فالفرد يقتل الأب بالمعنى الفرويدى ليولَد كائنا حرًّا، وهذا لا يلغى المحبة الواقعية للأب. أَحِبُّوا عبد الناصر لكن لا تجعلوه جاثمًا على الصدور. أما الإخوان فشجرتهم ستتحول إلى مزار للسياحة السياسية. .. هل يمكن التخلص من كل هذا الثقل؟ هل يمكن التفكير من خلال علاقة السعادة بالسياسة؟ دعنا نجرِّب هذه العلاقة كمدخل لنرى أين نحن وإلى أين سنذهب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعادة والسياسة السعادة والسياسة



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib