حين ننسى مبارك الذى

حين ننسى مبارك الذى...

المغرب اليوم -

حين ننسى مبارك الذى

وائل عبد الفتاح
لم يعد أحد يتذكر موعد المحاكمة. ولا أين هو؟ مبارك الذى حكم مصر 30 سنة كاملة، طار فيها بالبلد كله تحت الرادار، وفكك قوته الناعمة بما يملكه من مهارات الموظف. الآن هو خبر من الدرجة الثالثة. لم يعد مغريا وهو على قيد الحياة أن تلعنه أو تراه معذبا، كما أن مصيره لم يعد علامة هامة فى إطار خروجنا من الحفرة التى عشنا فيها طوال سنوات مبارك، وندفع ثمنها كاملة الآن بعد الخروج من الحفرة، وتعرفنا على ما لم يكن من الممكن رؤيته أو معرفته. مبارك سيدخل حديقة الديكتاتوريات التذكارية، من بوابة قصيرة جدا. لكنها بوابة مميزة للغاية. ديكتاتور لم يكن له ميزة سوى قدرته على «التناحة»، وهى أسلوب لا شتيمة: كيف تواجه كل شىء بدم بارد، كيف تحكم شعبا عبر شحنات من اليأس. قلت فى أثناء حكمه إنه اخترع شرعية جديدة هى شرعية الملل، وها هو يثبت وهو فى زنزانته الطبية أنها لم تكن فقط شرعية حكم ولكنها عقيدة حياة. لم يحارب مبارك من أجل عرشه، لكنه التصق به، كما يلتصق الآن بسرير يتجول به بين المستشفى، والسجن والمحاكمة، وأولاده عندما يظهرون أمام الشاشات يستعرضون جبروتا هزيلا لا أحد يعرف من أين يأتى ولا على ماذا يعتمد، ولا أى فكرة كبيرة خلفه، إنه جبروت فارغ لا يكشف سوى عن شعور عكسى بأنهم أقزام. أقزام تمنحهم السلطة مكانتهم، ماذا كان سيفعل مبارك وأولاده وعائلته كلها إن لم تكن الصدفة قفزت به إلى الرئاسة؟ لم يفكر أيتام مبارك فى شكل زعيمهم وهو يدخل حديقة الديكتاتوريات، إنه علامة على انقراض نوع الحكام الذين يتصورون نفسهم آلهة لمجرد جلوسهم على كرسى الحكم. والأيتام هنا أيتام فكرة لا شخص، ولا يقتصرون على الشبيحة الذين يقفون أمام الكاميرات كأنهم فقرة إعلانية على هامش محاكمة مبارك، وليسوا فقط البلطجية الذين يطاردون أسر الشهداء لإثارة رعبهم. إنهم شرائح كاملة ستفقد مركز حياتها بذهاب مبارك إلى حديقة الديكتاتورية المنقرضة. مبارك يشعر بالأسى وأيتامه بالحقد المغلى، لأنهم مثل زعيمهم خيالهم محدود وروحهم أضيق من فتحة أذن طفل صغير. مبارك يرى العالم من ثقب باب كابينة فى سفينة غارقة، أحلامه لا تتعدى الطفو على الماء، ونظامه معدوم الكفاءة إلا فى ما يتعلق بالسيطرة والترويض. مبارك أنقذ مصر من وجهة نظره، وتركها صحراء وسطها منتجعات، وفى قلبها برج عال، تحميه أقزام بشهواتهم وقدرتهم على نشر الخوف والرعب، ليتصور الشعب أنهم آلهة، يحركون جيشا من الأرواح الشريرة. مبارك حكم بخياله المريض، ليرى الشعب عبيدا لا يعترفون بالجميل.. ولا بخدماته. الثورة انفجرت فى قلب صحراء بشكل ما، وكشفت عمق الكارثة. نظام مبارك أقزام وليسوا آلهة، ولا سياسة فى مصر سوى جسارة كبرت إلى أن أصبحت «ثورة حياة أو موت». غياب مبارك خلف ستار الغرفة المغلقة، نتج عنه فراغ كبير عند عباد الديكتاتور وضحاياه، العبيد يبحثون عن ديكتاتور جديد، ويمنحون الجيش صك أُلوهية لا تُناقش، وفى المقابل الثوريون اكتشفوا السياسة فى الميدان، ومعه تَوْق وجودى إلى ثورة لا تنتهى، ويشحنون «حالة الميدان» لتدخل إلى حالة دائمة، خوفا من الرجوع إلى حالة «ما قبل الثورة». فوضوية ثورية تلهث وراء سؤال يتكرر: ما العمل؟ لا تقبل الفوضوية بنصف إجابة، ولا تبنى على نصف الخطوة، إنها حالة مطلقة، لا تهادن مع الظروف ولا صراع القوى، وتمنح بطيفها الواسع، نوعا من البراءة، والعفوية، تتصادم أحيانا مع العقل أو الخبرة السياسية. الصدام يصنع عملية فرز جديدة على السياسة فى مصر، آلاف يدخلون المسرح بفوضوية تحطيم الآلهة، بينما العقلاء والحكماء يعتمدون خطابا براجماتيا، يحافظ على إله لاستخدامه فى التخلص من بقية الآلهة. الجيش دخل المعركة إلى آخرها، كان الإله الذى راهنت عليه براجماتية الحكماء، وهرب منه نقاء الفوضوية، وكسرته مع بقية الآلهة. هكذا نحن فى هذه اللحظة: الجيش أزاح الآلهة وقادهم إلى المزرعة، لكنه لم يعد إلى الميدان بأسطورته الأولى، إنها لحظة تشكل، تشترك فيها كل العناصر: عبيد الديكتاتور، بعاطفيتهم المترهلة، والفوضويون بشحناتهم المطلقة، والحكماء بارتباكهم فى لحظات الحسم.. تشترك كل هذه العناصر فى إعادة تخصيب أرض السياسة. عملية ليست سهلة، ولا حتى بعد اصطياد الأقزام الذين تحولوا إلى آلهة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين ننسى مبارك الذى حين ننسى مبارك الذى



GMT 12:16 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 12:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 12:14 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

GMT 12:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 12:12 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 06:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

GMT 06:04 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

الشرق الأوسط والغيبوبة

GMT 05:56 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

اقتصاد الليل

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:20 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

منة شلبي تتعاقد على مسلسل "عنبر الموت"
المغرب اليوم - منة شلبي تتعاقد على مسلسل

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib