المخاطر المرعبة للكتب

المخاطر المرعبة للكتب

المغرب اليوم -

المخاطر المرعبة للكتب

وائل عبد الفتاح

«إن النظم الشمولية ليست الوحيدة التى تخشى القراءة».

هذه الجملة محشورة فى كتاب ممتع من الصفحة الأولى اسمه «تاريخ القراءة». والمؤلف ألبرتو مانجويل يكملها بجمل أقوى: «حتى فى ساحات المدارس، وفى خزائن الملابس، وفى دوائر الدولة والسجون تجرى مراقبة جمهرة القراء بعين الارتياب، نظرا لما يشعر المرء به من سلطان القراءة وقوتها الكامنة، وعلى الرغم من الاعتراف بأن العلاقة بين الكتاب والقارئ علاقة مفيدة ومثمرة، فإنها علاقة تعتبر مترفعة ورافضة، ربما لأن مشهد قارئ وقد انزوى فى أحد الأركان ونسى العالم المحيط به يشير إلى جو شخصى غير قابل للاقتحام، وإلى نظرة منطوية على الذات وتصرف أنانى..»!!

هكذا كانت أم ألبرتو مانجويل تقول له عندما تراه يقرأ: «اذهب إلى الخارج وعش حياتك».. وكأن «انشغالى الصامت هذا كان يتعارض مع تصوراتها عن الحياة»، يقول ألبرتو، وهو يتأمل ذلك الخوف المستشرى مما قد يفعله القارئ بكتابه، والذى يشبه الخوف الأزلى الذى يبديه الرجال مما قد تفعله النساء بالأجزاء المخفية من أجسادهن، ومما قد تمارسه الساحرات ويزاوله الكيميائيون فى السر وراء الأبواب الموصدة لمطابخ سمومهم!!

2

«المخاطر المرعبة للقراءة» عنوان مقال ساخر كتبه فولتير، مؤكدا الفكرة السابقة، فالكتب «تشتت الجهل، هذا الحارس الأمين والضامن الحريص للدول ذات الأنظمة البوليسية». ألبرتو مانجويل تشجع اعتمادا على مقولة فولتير وقال حكمه التالى: «.. كان الحكام الديكتاتوريون على مر العصور والأزمان، وما زالوا، يعرفون أن الجماهير الأمية سهلة الانقياد، ونظرا إلى عدم التمكن من إبطال مفعول القراءة بعد تعلمها، يلجؤون إلى الحل الثانى الذى يفضلونه، ألا وهو منع تعلم القراءة. إن الحكام الديكتاتوريين يخافون الكتب أكثر من أى اختراع بشرى آخر على الإطلاق. ولذا نرى القوة المطلقة لا تسمح إلا بنوع واحد من القراء فقط، هو النوع الرسمى. وبدل المكتبات الكاملة المملوءة بالآراء المتنازعة لا يراد الإبقاء إلا على كلمة الحاكم بأمره».

كانت دهشة القديس أوغسطينوس عندما دخل على القديس الأكبر منه عمرا وخبرة أمبروسيوس، وجده يقرأ بطريقة عجيبة: «.. كانت عيناه تغطيان الصفحة، وكان يستقبل المعانى بقلبه، وكان صوته يصمت، ويبقى لسانه دون حراك. وكان بمقدور كل واحد أن يقترب منه بمطلق الحرية. ونظرا لأن الضيوف لم يكونوا يعلنون مسبقا عن قدومهم، كان يحدث عندما نزوره أن نراه يقرأ بصمت مطبق، لأنه لم يكن يقرأ بصوت عال قط».

كانت القراءة بصمت فعلا مدهشا فى تلك الأزمنة (القرون الأولى بعد الميلاد).

القراءة كانت تدرك بالسمع. وهى جزء من أفعال مقدسة يشترك فيها الجسم كله. كان على الجسم أن ينصهر فى المعانى التى تجعله ينتمى إلى الجماعة المؤمنة. القراءة الصامتة كانت خطرا، لأنها كانت تعنى فعلا من أفعال الناسك المعتزل. والقارئ الصامت يكسب وقتًا للتمعن بالكلمات والتلذذ بها، والإنصات إلى إيقاعاتها فى داخله، كما يقول ألبرتو عن النص المحروس من أعين الدخلاء المتطفلين. ومع تطور تغليف الكتاب وتحويله إلى مخطوطة بغلافين. أصبح ملك يد القارئ كنز معلوماته السرى، وهذا ما كان يزعج بعض العقائديين وقتها. راقبوا التطور الجديد بشىء من الحذر والريبة. إذ إن القراءة الصامتة حسب اعتقادهم تشجع على أحلام اليقظة، وكانت مكمنا لخطر الانزلاق فى الشهوات الحسية.

3

القراءة المستقلة. الفردية كانت -وما زالت- خطرا، فهى تسمح بالاتصال البعيد عن الأعين بين الكتاب والقارئ، على نحو لم يكن يتحمله حراس العقيدة المغلقة. وهنا يولد «الإنعاش الفريد للعقل..»، كما قال القديس أوغسطينوس صاحب الاعترافات الشهيرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المخاطر المرعبة للكتب المخاطر المرعبة للكتب



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib