إلى أين المصير

إلى أين المصير؟

المغرب اليوم -

إلى أين المصير

عمرو الشوبكي
كثير من المصريين متشائم من المستقبل ويتوقع انهيار العملية السياسية وسقوط حكم الإخوان، والبعض الآخر يتمنى سقوطه وانهيار العملية السياسية، والبعض الثالث يحلم بالمخلّص الذى لن يأتى، فيبحث عن عبدالناصر جديد، و«يوليو» أخرى، ولا يعرف أن العصر الذى أخرج عبدالناصر وثورة يوليو لن يعود، وأن مصير مصر متوقف على قدرة أبنائها على العمل والتوافق دون انتظار مخلّص يهبط عليهم من السماء وهم فى بيوتهم جالسون، أو فى الشوارع يقتتلون. المؤكد أن أزمة مصر الكبيرة ليست فى الاستقطاب السياسى الحالى، إنما فى الأساس الدستورى والقانونى المشوّه الذى ساعد على تحويل التنافس السياسى إلى صراع دموى، أصبح معه هذا الاستقطاب أحد أعراض المرض وليس سببه الأصيل. صحيح أن فى مصر سباً وقذفاً وتخويناً وتكفيراً تحت اسم حرية الرأى والتعبير، وهناك فوضى وأصوات احتجاجية تستبيح كل شىء فى الحكومة والمعارضة، وهناك عنف مرفوض تتعرض له المنشآت العامة والخاصة، كل ذلك موجود ومرفوض ويمكن التعامل معه لو كان الأساس الذى بنينا عليه طابقنا الأول صحياً وطبيعياً، فالأساس الذى بُنى عليه المسار السياسى برمته كان معوجاً، وكل طابق سيُبنى فوق هذا الأساس سيمتلئ بالتشققات وسينهار على رؤوسنا فى يوم من الأيام، ما لم نبدأ فى إصلاح الأساس الذى سيعنى التضحية بالطابق الأول، وليس إصلاحه أو ترميمه من أجل الاحتفاظ بالأساس المشوه. إن هناك 3 عيوب رئيسية شوهت الأساس الذى بُنيت عليه العملية السياسية كلها: أولها يتعلق بالدستور غير التوافقى ركيك الصياغة والمضمون، وشعر معه قطاع كبير من المصريين بأنه يقصيهم، وأنه فُصّل على مقاس تيار واحد وليس أغلبية الشعب، وثانيها يتعلق بمشكلة الجماعة التى تحكم وتدير وترفض أن تكون جزءاً من قانون الدولة، فهى جماعة مختارة، يجب ألا ينطبق عليها قانون باقى الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وثالثها هو هذا الهجوم الكاسح على مؤسسات الدولة ونهم السلطة الذى أصاب الإخوان، وجعل حليفهم حزب النور يرفض تلك الأخونة ويقدم للرئيس 12 ألف اسم زرعهم الإخوان فى مفاصل الدولة المختلفة، كما سيطروا على عدد من الوزارات المهمة، واختاروا رئيس وزراء هو الأفشل فى تاريخ مصر، لأنه ملتزم بالسمع والطاعة، ولم ينتظروا حتى الحصول على أغلبية برلمانية ليبرروا وجود الوزارة الإخوانية. والحقيقة أن هذا الوضع السياسى المأزوم هو نتاج نظام فشل فى إدماج معظم القوى السياسية والاجتماعية والأجيال الشابة والأفكار الجديدة داخل العملية السياسية، واستجابته ولو الجزئية لما تطرحه من أفكار، ولأن العملية السياسية الناجحة هى نتاج نظام سياسى ناجح ــ وليس أساساً لانتخابات ناجحة ــ قادر على الانفتاح على الجديد الذى يتشكل داخل المجتمع ويدمجه داخل العملية السياسية والديمقراطية، ويدفعه إلى الاقتناع بجدوى المشاركة فى العملية السياسية والانتخابات، ويساعد القوى الثورية على تغيير جانب من خطابها لتعترف بشرعية الصندوق والمسار السياسى والشرعى، كما جرى فى تجارب النجاح مع التيارات الثورية اليسارية فى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وفى فرنسا مع ثورة الطلاب فى 1968 التى تحول معظم شبابها الثورى والشيوعى والتروتسكى إلى قيادات فى أحزاب إصلاحية اشتراكية. وتكرر الأمر نفسه فى تركيا التى نجح نظامها العلمانى والديمقراطى فى القضاء على مشاكله الكثيرة بأن يدمج معظم التيارات الإسلامية فى العملية السياسية بعد أن عارضته بشكل جذرى، وسعت إلى هدم جمهورية أتاتورك العلمانية، تماما مثلما سعت الأخيرة إلى إقصائه بشكل كامل من العملية السياسية. والحقيقة أن دور النظام السياسى هو خلق عملية سياسية فعالة وقادرة على دمج معظم القوى السياسية فيه، وهذا ما حدث عكسه تماما فى عهد مبارك، وكان السقوط مدوياً بعد أن مارس عملية إقصاء كاملة لكل التيارات السياسية الفاعلة، على رأسها التيار الإسلامى، ولو كان قام بدمج ولو جزئياً لهذا التيار وأعطاه فرصة للتفاعل مع نظام سياسى ودولة ودستور وقوانين موجودة وشبه راسخة لكان هذا التيار قد تطور بشكل تدريجى أو على الأقل جانب كبير منه، لكننا وجدنا تياراً إسلامياً ديمقراطياً ليس هدفه الوحيد الاستحواذ على السلطة وإقصاء الجميع. وبما أن هذا لم يحدث فى عهد مبارك، وبما أنه أيضا لم يحدث فى زمن الإخوان، الذين أصروا على عدم الالتفات إلى كل من يطالبهم بمراجعة الأساس الذى بنيت عليه العملية السياسية، وبما أن البلاد تتفاقم أزمتها الاقتصادية والسياسية كل يوم وهم يرون أنه لا توجد مشكلة، وأن الأمر لا يتجاوز أعراض الزكام الذى سنتعافى منه حتما رغم مبالغات المعارضة. والحقيقة أن الوضع الحالى أخطر بكثير مما يتصوره إخوان الحكم، وأن مصر سيكون أمامها سيناريوهان، كل منهما أصعب من الآخر: السيناريو الأول: أن تنهار العملية السياسية برمتها خلال أشهر قليلة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والفشل الحكومى وتصاعد الاحتجاجات والإضرابات الفئوية وانتفاضات المهمشين والمحرومين، وتتكرر اشتباكات الاتحادية والمقطم على نطاق أوسع، وتبدأ مؤسسات الدولة ـ أو ما تبقى منها ـ فى التفكك والانهيا، ويضطر الجيش للتدخل فى محاولة لإطلاق عملية سياسية جديدة ومسار جديد من غير المؤكد أنه سينجح فيه. البعض يتمنى حدوث هذا السيناريو، يأساً من الإخوان، ويأساً من المسار الانتخابى بعد أن قامت الجماعة وحلفاؤها بتفصيل مسار انتخابى ـ دوائر وقوانين ـ على مقاسها ليضمن حصولها على نسبة أكبر من قوتها الحقيقية. إن خطورة هذا المسار أنه لم يخرج من ثقافة المخلّص، وأنه يتصور أن الجيش قادر على عمل المعجزات، وأن انهيار المؤسسات والدخول فى فشل اقتصادى وسياسى يمكن بسهولة الخروج منه وهو أمر فيه مخاطرة كبيرة، ومع إصرار الإخوان على إقصاء الجميع يصبح سيناريو انهيار العملية السياسية أملاً يراود الكثيرين على طريقة «ما الذى جبرك على المر؟ الأمر منه». السيناريو الثانى هو أن يستكمل «مرسى» مدته، وأن يحترم المسار السياسى الحالى رغم أساسه الأعوج، على أمل أن يصلح الإخوان بعض جوانبه، وتحصل القوى السياسية المعارضة على نسبة أكبر فى الانتخابات البرلمانية، وتقدم مرشحاً لانتخابات الرئاسة يكون قادراً على الفوز على مرشح الإخوان. والمؤكد أن هذا المسار الأفضل والأضمن، لكن نجاحه يتوقف على قدرة الإخوان على الانفتاح على جانب من مطالب المعارضة وتغيير الحكومة والنائب العام، وتقنين وضع الجماعة حتى يستطيعوا دمج معظم القوى فى العملية السياسية. معضلة هذا السيناريو هو فى الإخوان، الذين يتصورون أن انهيار العملية السياسية سيكون بفعل مؤامرات خصومهم وليس أساسا بسبب فشلهم السياسى والاقتصادى، وأنهم حتى هذه اللحظة لم يتراجعوا عن قرار واحد اتخذوه ويصرون على جرّ البلاد نحو الهاوية. إن مصير مصر لن يخرج عن هذين التصورين، وكلاهما يحمل أخطاراً مؤكدة، لأن استمرار «مرسى» حتى انتهاء مدته ودون إجراء أى إصلاحات فى الأساس الذى بنيت عليه العملية السياسية سيعنى أن مصر ستتحول بشكل كامل إلى دولة فاشلة، تغيب فيها مؤسسات الدولة، وتعيش فى فوضى وحرب شوارع ويغيب عنها الأمن والقضاء. أما إذا انهارت البلاد بصورة كاملة استدعت تدخل الجيش، فإن الأمر لن يخلو أيضا من مخاطر، منها نجاحه فى بناء مسار سياسى جديد ينال قبول الأطراف المتصارعة، وقدرته على إيقاف مسلسل التدهور والعنف الذى دخلته البلاد. هل سيراجع إخوان الحكم مواقفهم أم أنهم وصلوا بالفعل إلى نقطه اللاعودة؟ هذا ما ستثبته الأيام القليلة المقبلة. نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إلى أين المصير إلى أين المصير



GMT 12:16 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 12:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 12:14 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

GMT 12:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 12:12 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 06:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

GMT 06:04 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

الشرق الأوسط والغيبوبة

GMT 05:56 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

اقتصاد الليل

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:20 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

منة شلبي تتعاقد على مسلسل "عنبر الموت"
المغرب اليوم - منة شلبي تتعاقد على مسلسل

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib