سيرة ذاتية لجمل 1

سيرة ذاتية لجمل (1)

المغرب اليوم -

سيرة ذاتية لجمل 1

عمار علي حسن
ظل يسير دون أن يعرف أنه سيصل إلى دائرة الدم والنار والحماسة المتناهية فى ميدان التحرير. دخل بأقدامه العالية باب التاريخ وأوصد خلفه وترك الطغاة يتخبطون فى المساحة الهائلة للظلمة والكآبة. ما خُلق لهذا أبدا، لكنها الأقدار، أو هى إرادة صاحبه الجهول الذى لم يكن يحسب أنه يسجل خطواته فى الاتجاه الخاطئ، وأن الأقدام ستدوسه فى «ميدان التحرير». كثيرون يبذلون جهدا خارقا كى يسمى الناس أشياء بأسمائهم: بنايات، حارات، شوارع، ميادين، أحداث مشهودة. أما هو فقد رآه العالم كله فى لحظة خاطفة ثم استقر اسمه عنوانا للحظة فارقة بين الصواب والخطأ، بين الحق والباطل، وبه حسم كل المترددين والحائرين مواقفهم. خرجوا ليدقوا الهواء بأيديهم فيسوقون الريح إلى حيث يجلس الطاغية العجوز ليهتز عرشه ويترنح ثم يسقط إلى الفراغ، ومنه إلى عتمة التاريخ. ظل سنين فى ذهاب وجيئة عبر الرمل الممتد إلى آلاف الأميال، يحمل صناديق السلاح، ويمشى بطيئا فوق «درب الأربعين» وسط العشرات من بنى جنسه، وأمامها صاحبه على ناقة بيضاء ذات أذنين مقطوشتين، يغنى مواويله التى لا تنتهى، ليسلى نفسه وإبله الطيبة المطيعة: «يا ريس البحر خدنى معاك من البر أحسن لى أتعلم الكار بوسع البال أحسن لى أزود بمدرة، أجر لبان أحسن لى طلعت ألم القلوع لقيت العويل أطول من الصارى رميت المدارى وقلت البر أحسن لى».. كان الرجل يحب هذا الجمل، الذى تحبه ناقته، وتأثر جدا إلى درجة البكاء يوم بيعهما معا بعد أن تقدم بهما العمر وصعبت عليهما رحلات الصحراء الوسيعة، لكنه اشترط على من اشتراهما ألا يذبحهما، فأطرق الرجل صامتا لبرهة ثم قال: ــ حاضر. ـ وعد. ـ وعد. ـ نقرأ الفاتحة. ـ نقرأها. ومد يده وعاهده. وفى اليوم التالى حملهما من السمطا فى قنا إلى نزلة السمان وباعهما دون عناء، فصارا قاربين للزينة، بعد أن كانا سفينتين طالما مخرتا فى عجيج الرمل السفساف، وداست خفافهما الحصى والصخور. فى النزلة كل العائلات تعمل بالسياحة، والجمل وناقته يعملان بها. لكنهما لا يعرفان عند أى عائلة استقر لهما المقام، ولا يسمعان عن عائلات الجابرى وخطاب وفايد والشاعر والحلو والقماطى والوليلى وأبوباشا وأبوزيد وأبوبريش وأبوعزيزة وغنيم وتركى. وعلى بعد مسافة قليلة من المكان الذى يبيتان فيه كان الجمل والناقة يعملان طيلة النهار وأول الليل. ما إن يسمعا صوت الولد الذى يدور حولهما كأنهما مزاران صوفيان قديمان: إخخخخ، حتى يهبطا من عليائهما ويعدان ظهريهما لاستقبال أجساد متتابعة، جاءت من أماكن عديدة. ثم يقفان على مهل، ويسيران إلى حيث يريد الولد، وإرادته مرهونة بقدر ما دفع له السائح الغريب، أو ابن البلد القريب، الذى جاء ليقضى نزهة مع أولاده عند سفح الأهرامات. (نكمل غدا إن شاء الله تعالى)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سيرة ذاتية لجمل 1 سيرة ذاتية لجمل 1



GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

GMT 04:39 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 04:38 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 04:37 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 04:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 04:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 08:27 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:23 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 10:45 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

ليلي علوي تلتقي الفنان وليد توفيق في الكويت

GMT 12:48 2016 الخميس ,21 إبريل / نيسان

هل ينتهي الحب بعد الـ 3 سنوات الأولى !

GMT 01:03 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

أحمد خليل يُعرب عن سعادته بنجاح "رسايل" و"كإنه إمبارح"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib