شجرة الثورة 2

شجرة الثورة (2)

المغرب اليوم -

شجرة الثورة 2

عمار علي حسن

خارج ميدان التحرير تناسلت شجرة الثورة أشجاراً، بعد أن ذاع صيتها. ففى نهاية السنة الميلادية امتلأت محلات الزهور بشجرة الثورة، ليشتريها الناس فى «الكريسماس» وتهافت الجميع عليها، كان طولها مترين ونصف المتر وعرضها متراً ومكونة من تسعة أدوار، ومزينة بأعلام مصر، وعليها تمثال صغير لبابا نويل مرحباً بالثورة، ولمبات تنيرها فى الليل، وإكسسوارات متعددة الأشكال والأحجام. مضى حاملوها مختبئين فى ظلالها، يتذكرون كلمات أصحاب محلات الزهور، الذين قالوا لهم: - إنها شجرة طبيعية معمرة، يمكن وضعها فى المنزل، وطولها يمكن أن يصل إلى ثلاثين متراً إذا تمت زراعتها زراعة جيدة. وفى الذكرى الأولى للثورة، غرس الشباب شتلات فى حدائق المدن، وأطلقوا على كل منها «شجرة الثورة»، وراحوا يرنون إليها من بعيد أو قريب، وينتظرون أن تفرد أشرعتها فى وجه الريح، وقالوا للعابرين حكايتها، حتى لا ينسى أى منهم تلك الأيام التى خرج فيها الملايين يدقون الهواء بأيديهم، ويهزون الشوارع بحناجرهم. جاءت الذكرى الثانية لتجد الشجرة قد كبرت، وأطلقت فروعها طيعة أمام مزيد من اللافتات، لافتة تتحدث عن الجنرال الكبير الذى وقع فى الفخ، وتطالب بمحاكمته، وتحتها يهمس البعض بأن هناك مقبرة جماعية دفنوا فيها ثواراً بعد قتلهم فى ميدان التحرير وفى الشوارع الخلفية، وأهلهم ينتظرون رجوعهم، والصحف تصفهم بـ«المفقودين»، لافتة أخرى تهجو المتأخونين، وتقابلها هناك على حائط السنترال صورة لعضو قديم فى الحزب الوطنى «المنحل» بعد أن أطلق لحيته، ثالثة مكتوب عليها بخط صغير العبارة التى قالها أحد شباب الثورة ذات يوم: «حين نفكر برهة فى أن الأرض التى نحيا عليها مجرد رغيف خبز يطير فى الهواء، هكذا نراها إن وقفنا فوق المريخ، وأنها لا تُرى بالعين المجردة إن أتيح لنا أن نقف فوق عطارد، وأنها مجرد كوكب فى مجموعة شمسية هى واحدة من عدة مجموعات فى المجرة، التى هى واحدة من عدة مجرات فى الكون الفسيح، سنتواضع ونرضى، ونحتقر الطغاة والمتجبرين وندوسهم بأقدامنا لغرورهم، ويذهب عنا الهم والحزن». وجلس الشباب تحت اللافتات، وغاصوا فى حديث طويل حول ما جرى. نظرت البنت إلى وجه الولد فوجدته راقداً تحت ركام من الغضب والحزن، اقتربت منه وقالت له: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومن أوصلنا إلى ما نحن فيه الطاغية التابع المطيع الذى أمسك بالمقود، ونظر إلى ما فعله الشعب باعتباره مجرد غضبة، والمقدمات الخاطئة تؤدى إلى نتائج خاطئة، لكن هذه ليست نهاية الطريق، سنجمع أشتاتنا، ونقوم من جديد، وفى المرة المقبلة، علينا أن نتجنب الدهاليز المظلمة التى انزلقت إليها أقدامنا فضاع منا الطريق». وفى مدينة تبعد عن ميدان التحرير بألف كيلومتر كاملة، نظر شاب إلى شجرة الثورة التى غرسوها فى حديقة وسيعة، ومصمص شفتيه، وتنهد بحرقة، حتى اهتزت أوراقها من لفح الهواء الساخن، ثم قال: - تتساقط أوراق الشجرة تباعاً وكأن الخريف قد أتى مبكراً تسوق ريحه الغابرة عصا الخيانة والغدر والشقاق. لكن آخر وقف فى ميدان التحرير ونظر طويلاً إلى الفروع الملفوفة فى الحروف بينما شتاء الغضب يرمى صقيعه على البيوت فلتهب الحناجر وترتفع الأيدى لتدق الهواء من جديد، وقال: - تسقط ورقة من شجرة الثورة فتنمو أوراق، يسقط شهيد تحتها فيصير كتيبة من المناضلين، يسقط حلم عابر فتنبت آمال مجنحة، يختطف المستبدون ميداناً فتولد ميادين. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شجرة الثورة 2 شجرة الثورة 2



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib