واقعية لا وقوعية

واقعية لا وقوعية

المغرب اليوم -

واقعية لا وقوعية

عمار علي حسن

لا أحد ينكر ضرورة التفكير بواقعية فى السياسة، المحلية والدولية معا، ولا يمكن تجاهل أن الشحن المعنوى الذى أراد حشد الجماهير خارج الواقع طالما انتهى إلى كوارث. لكن هناك فارقا كبيرا بين الواقعية كمنهج سياسى عملى، قائم على حسابات دقيقة، وإدراك وفهم عميقين للمعطيات الحياتية، يرمى إلى تحويل الخسائر إلى مكاسب، والضعف إلى قوة، وإلى استغلال الركائز والمقدرات المتاحة مهما كانت قليلة فى حل المشكلات الموجودة، وبين الوقوعية التى تعنى الارتكان إلى رد الفعل، والالتصاق بالأرض، وافتقاد الفاعلية، والاكتفاء بدفع بعض الضرر، وإنجاز ما يفضى إلى مجرد الاستمرار فى ظل ضعف بنيوى وهوان مشين، والتذرع إما بأن هناك مؤامرة تحاك ضدنا، أو أنه ليس فى الإمكان أفضل مما يبذل من جهد وما يتحقق من نتائج، أو أن أى حركة إيجابية، حتى لو بدرجة خفيضة، ستنظر إليها القوى الكبرى فى العالم على أنها تحدٍ وعناد، ومن ثم ستسعى إلى تأديب صاحب هذه الحركة. والواقعية السياسية مدرسة ذات شأن عليها قامت أمم وتكونت إمبراطوريات، وأراد لها منظرها ومفكرها الأول هانز مورجنثاو، أن تكون إطارا لتفكير عقلانى فى حساب القوة وتعزيزها، ولم يكن يقصد منها، كما فعلنا نحن حاليا، أن يسوق العجز، بدعوى أن الهامش المتاح، لا يوفر أى قدرة على التحدى، أو على الأقل المناورة. ولا تقوم الواقعية على حساب ركائز القوة المادية الملموسة، العسكرية والاقتصادية والتقنية، فقط، بل تمتد إلى ما تسمى «القوة الناعمة»، التى تتمثل فى الحنكة الدبلوماسية، وديمقراطية نظام الحكم، والثروة البشرية، التى يراكمها نظام تعليمى ناجح وعصرى، يحقق بمرور السنين مكانة متعاظمة لأهل العلم والفكر والأدب، وقدرة مستمرة على إنتاج أشكال من الفن تنافس عالميا، وإفراز كوادر رياضيين يحققون إنجازات ملموسة على الصعيد الدولى. إن التاريخ طالما شهد نماذج لدول أوجدت لنفسها مكانا على خريطة الدول بفعل حسن توظيفها لقدراتها الناعمة. فالدبلوماسيون المحنكون أمكنهم أن يجلبوا احترام العالم للهند فى حقبة ما بعد الاستقلال، وقت أن كانت بلادهم، تعانى من ضعف اقتصادى وعسكرى. واليوم يلعب تقدم الهنود فى تكنولوجيا الاتصالات الدور نفسه. والصورة الذهنية العامة عن العقلية اليابانية جعلت اليابان تحظى بمكانة عالمية، خاصة بعد استخدام هذه العقلية فى خدمة الصناعة والإنتاج والإدارة المتطورة، رغم أن اليابان دولة بلا ذراع عسكرية قوية. والنظام القضائى لبلجيكا يمكنها من لعب دور دولى لا يتوافر لغيرها. والدور المحايد الذى تلعبه سويسرا جعلها مقصدا لحل الكثير من الصراعات والمشكلات الدولية، ومركزا لجذب رؤوس الأموال الطائلة. وقائد كاريزمى مثل نيلسون مانديلا جعل بلاده تحظى باحترام دولى سريعا بعد طول استهجان ونبذ إبان الحكم العنصرى. ورئيس مثقف مثل ليوبولد سنجور لفت الانتباه إلى السنغال بشدة حين كان يحكمها. وفضلا عن تنامى اقتصادها فإن وجود حاكم يمتلك رؤية دولية ولديه مواقف مشهودة فى مقاومة الهيمنة واحترام الخصوصيات والاستقلالية مثل مهاتير محمد جعل لماليزيا دورا ملموسا، على الأقل على الصعيد الإسلامى. والأديب الكبير جابرييل جارثيا ماركيز الفائز بجائزة نوبل جعل العالم يعرف أن كولومبيا ليست مكانا فقط لتجارة المخدرات، وكرة القدم جلبت للبرازيل شهرة ومكانة، لم يكن بوسعها أن تحققها من خلال الركائز الصلبة للقوة، كالاقتصاد والقدرات العسكرية وغيرها، وتحقق الأمر نفسه بالنسبة للكاميرون، لا سيما فى قارة أفريقيا. وبوسع التاريخ الحضارى أن يجلب المكانة والاحترام الدوليين، شرط حسن توظيفه فى خدمة الحاضر، وليس الاكتفاء بالوقوف عند حديث الذكريات عن المجد الحضارى فى الأزمنة الغابرة. لا يعنى هذا أبدا إهمال الركائز الصلبة للقوة، فكثير من الدول السابق ذكرها، اهتمت ببناء اقتصادها وقدرتها العسكرية، على التوازى مع تعزيزها الركائز الناعمة للقوة، خاصة أن هناك تغذية مرتدة، أو تبادل منافع، بين جناحى القوة هذين. فمع انتعاش حركة التصنيع العسكرى وتعزيز معدلات النمو الاقتصادى وتنويع قاعدة الإنتاج، يتم رفع كفاءة الأفراد، من الناحية المهنية، باكتساب مهارات جديدة والإلمام بتقنيات حديثة. كما يجرى على التوازى تعزيز القيم الاجتماعية الإيجابية، مثل الإنجاز والانتماء والتنافس والانخراط …إلخ، وهى جميعا من أوجه القوة الناعمة. نقلاً عن جريدة " الوطن "

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

واقعية لا وقوعية واقعية لا وقوعية



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib