عن المنيا التى أحبها

عن المنيا التى أحبها

المغرب اليوم -

عن المنيا التى أحبها

عمار علي حسن

تأخذنى طائرات وقطارات إلى مدن فى مشارق الأرض ومغاربها لكن يبقى للمنيا، الوديعة المجهدة، ألق الدهشة الأولى، وفيض الحنين الجارف، والذكريات التى لا تغرب أبداً، إلى شوارعها التى تنساب فى جهات ثلاث، والنيل المسافر بجانبها فى وقار، يعانق جبلاً أشمّ، يمنحها صلابة تقوّيها على ظروفها الصعبة. قد لا تكون المنيا استثناء بين مدن الآمال المؤجلة، التى تتقاطر كعقد الجمان المنطفئ على جانبى شريط السكة الحديد الذى يشق الصعيد من ناصيته حتى أخمص قدمه الفتية القوية، وليست استثناء أيضاً فى منحها مصر رجالاً سمراً أشداء، ولا مفكرين بقدر طه حسين، أو شيوخاً بقامة الأخوين مصطفى وعلى عبدالرازق، ولا نساء جريئات طموحات عارفات مثل هدى شعراوى.. فمدن مصر معطاءة، كل على قدر طاقتها. لكن المنيا استثناء فى قسوة الأحوال، وضيق ذات اليد. فهى إن كانت تشاطر مدن الصعيد غياب الاستثمارات الخاصة الكبيرة والمشروعات العامة القادرة على استيعاب فائض شبابها، فهى فقيرة فى رقعتها الزراعية، إذ يضيق الوادى عندها ليصبح شريطاً أخضر ضئيلاً، تهاجمه الصحراء الغربية بضراوة، وتحده هضبة البحر الأحمر بصرامة. ومع ازدياد حجم سكانها، تتهاوى المنيا، بمدنها وقراها ونجوعها، إلى أسفل سلم «التنمية البشرية» فى مصر، لتستقر فى ذيل القائمة، حاملة رقم ستة وعشرين، بصبر لا يلين. هذه الظروف القاسية جعلت أكثر المشروعات رواجاً فى مدينة المنيا هى المقاهى. وتلك ظاهرة لا تخطئها عين، فعلى ضفتى شارع «الحسينى»، الذى يصل أبعد طرفين فى المدينة، تتراص المقاهى، غارقة وسط سحب الدخان الأسود، والأبخرة المتصاعدة من أكواب ساخنة، يرتشفها شباب يجلسون فى استسلام يروضون الوقت، ربما منذ أن تحلّ الشمس فى قلب السماء حتى الهزيع الأخير من الليل. وحين يهدّهم تعب الجلوس، ينفضون ملابسهم، ويتفرقون فى الشوارع الضيقة المكللة بالهدوء إلى بيوتهم، انتظاراً ليوم جديد من البطالة الممقوتة. وتعيش المنيا رواسب ثقافة «مجتمع الموظفين»، ورغم أن الوظيفة الحكومية قد تبخرت وكادت أن تكون واحدة من المستحيلات، ومع أن الموظفين باتوا، بعد المد الانفتاحى الذى اجتاح مصر بدءاً من عام 1974، من شريحة المساكين الذين يستحقون الصدقة، ينتظر شباب المنيا الملازمون المقاهى، مقعداً متهالكاً على مكتب صدئ بمؤسسة بائسة، لا تنتج شيئاً، وتعيش عالة على خزينة الدولة التى أتى الفساد والكسل على أغلب ما فيها. قلة من شباب المنيا تتمرد على الكسل وتقتل الانتظار وتحمل أمتعتها وتسافر إلى الشمال فى مغامرات لا تتوقف، أو تفرّ خارج القطر المصرى كله، بحثاً عن أرض براح ورزق وفير، وشعارها الدائم «فى السفر سبع فوائد».. يتفرقون فى بلاد الناس، وترحل بهم السنوات، لكن أحداً منهم ليس بوسعه أن ينسى وداعة المنيا، ولا أُلفتها، وصحبة ناسها الطيبين، وليس بإمكانه أن يطرد الحسرة التى تنشب أظافرها الحادة فى روحه، حين يتذكر آلاف الشباب الجالسين على المقاهى يحملقون فى الفراغ، ويطلقون أمام أفواههم هالات متلاحقة من سحب صغيرة سوداء. نقلاً عن جريدة " الوطن" .

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المنيا التى أحبها عن المنيا التى أحبها



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib