مستشرق مولع بالتصوف 3  3

مستشرق مولع بالتصوف (3 - 3)

المغرب اليوم -

مستشرق مولع بالتصوف 3  3

عمار علي حسن
وفى كتابه «تأملات فى الحوار الدينى والتصوُّف: من أجل ثورة روحية متجددة» أعطى المستشرق الإيطالى الكبير الدكتور جوزيبى سكاتولين قضية الحوار اهتماماً بارزاً وقلّبها على جميع دروبها ووجوهها «الأنطولوجية» و«الإنثروبولوجية» و«اللاهوتية» بعد أن عاد إلى الجذور البعيدة لمفهوم «الحوار» ذاته فى الثقافة الإنسانية، منطلقاً من أن الإنسان «كائن حوارى بطبعه»، يتحاور مع ذاته ومع غيره من البشر ثم يعلو ليتحاور مع أساس الوجود نفسه، أى مع المطلق أو الذات الإلهية، وهذا هو غاية الحوار وهدفه الأقصى والأسمى. فى المجمل، فإن كتاب سكاتولين ««تأمُّلات فى الحوار الدينى والتصوُّف: من أجل ثورة روحية متجددة» يعد دعوة صريحة ومفتوحة للجميع كى يعودوا إلى جادة الصواب متخففين من عبء التاريخ المثقل بالإحن، ويبحثوا عن التعاون والتعايش والتراحم، الذى يقى الإنسانية شروراً كثيرة، ويمنعها من السقوط فى وديان سحيقة مظلمة. فى الحقيقة فإننى أشاطر سكاتولين فى استدعاء التصوف لإنقاذ البشرية مما آلت إليه، بوصفه استدعاءً للإيمان العميق الرائق الذى يروى ظمأ الروح، ويُنير ظلمات النفس، ويطلق طاقة الخير لدى الإنسان، فيلمسها من حوله فى أفعاله وأقواله. وهنا يبدو التصوف مرادفاً للإيمان الخالص، الذى يذهب إلى اللباب ولا يقف عند القشور، وينفذ إلى الجوهر متخففاً من المظاهر الجوفاء، ويميل إلى صُحبة الأولياء تاركاً الأدعياء. ومثل هذا التصوف يقوم على أركان محدّدة، نستقيها مما تركه لنا كبار المتصوّفة والرهبان من أحوال ومقامات وأذواق ومواجيد. ويمكن ذكر هذه الأركان على النحو التالى: 1 - إن الله أقرب إلينا من حبل الوريد، وهو قوة متسامية وكونية فى آن، يمكن لنا أن نشعر بها وندرك جلالها وجمالها، إن جاهدنا الشهوات، وانتصرنا على نقائصنا. والله يحبنا لأننا خلقه، ويجب علينا أن نحبه لأنه واجدنا، ورحمته وغفرانه وسع كل شىء وكل أحد، ولا يجوز لنا أن نصادر على مشيئته بفرض دينه على خلقه أو إعطاء أنفسنا حق محاسبتهم فى الدنيا، وتقرير مصائرهم فى الآخرة. 2 - إن الكون أوسع بكثير مما نتصوَّر، وعلى الإنسان أن يتواضع على قدر استطاعته، فهو لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولاً، ولذا عليه أن يؤمن بأنه فى حاجة دائمة إلى رعاية الله وتعاون البشر. 3 - إن الأخوة الإنسانية أصل، ويجب ألا يتصارع البشر أو يتنازعوا على زينة الحياة الدنيا، بل تربط بينهم المحبة والتراحم والتكافل والتسامح، وهى القيم النبيلة والعميقة التى تسعى الأديان إلى ترسيخها، وتنشغل برعايتها دوماً. 4 - يعزف التصوف على وتر إنسانى مشترك، بل متوحد، وهو المشاعر، التى تتوزع بين الحب والكره، والخير والشر، ويتشابه الناس ويتطابقون فى هذا، ويتواشجون فى رباط متين. فعاطفة الحب مثلاً لا تختلف عند رجل أبيض عن الأسمر، وعند الأصفر عن الأحمر. ويشهد تراث الإنسانية على أن ما كان بين قيس وليلى لا يختلف أبداً عما بين روميو وجولييت. وانجذاب الإنسان إلى حب الله، الذى هو جوهر التصوف، يعد طاقة أوسع وأعمق وأسمى من عاطفة بين رجل وامرأة، لكنها مثلها تتطابق من حال إنسان إلى إنسان، وتتوحّد عند الأولياء والقديسين وغيرهم من المنشغلين بالوصول إلى الحقيقة السرمدية، بعد أن تنبو عن الاختلافات الفقهية واللاهوتية المشبّعة بالتفاصيل والإجراءات والطقوس، التى فرّقت بين أديان سماوية أصلها واحد، ومنبعها وحيد. 5 - إن الإنسان فى حاجة ماسة إلى الكثير من أركان التصوف، فالزهد ثروة، إذ يجعل الزاهد مترفعاً عن الدنايا ويقيم ظهره ويقويه فى وجه كل من يسعى إلى استعباده بالمال أو المنصب والجاه، والمحبة واجبة حيال الله والبشر والأشياء، ليس حب التملُّك الغارق فى أنانية مفرطة، بل الحب المفضى إلى الإيثار والمفعم بالغبطة والامتنان والسعادة. والحدس نعمة يمنحها الله إلى عباده على قدر محبته لهم، إذ بها يتجاوزون حدود المحسوس وينعمون بالإلهام الذى يدركون به على نحو أفضل ما يجرى، ويمتلكون القدرة على تلمُّس التباشير وحيازة النبوءة. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستشرق مولع بالتصوف 3  3 مستشرق مولع بالتصوف 3  3



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib