الجندى غير المجهول 44

الجندى غير المجهول (4-4)

المغرب اليوم -

الجندى غير المجهول 44

عمار علي حسن

نعش شريد طائر يمرق بين بيوت الطمى فى قرية نائية، تحدب عليه زمر من أناس أوجعهم البكاء الحرور. يحوى قطعاً من لحم مختلفة الأحجام ترفرف عليها طليقة. تغوص الروح فى زحام الوجوه لتلتقط وجه «محمد»، صبى ترفل فى مقتبل الشباب أنت. تسح دموعك على خديك مدراراً، لكنك تكبت قروحك وتعض على أضراسك مغمغماً: - سأثأر لك يا أخى.. واقتربت الروح منك وهمست فى أذنيك مؤيدة على قولك: - إياك أن تنكسر.. وتحت السدرة العتيقة تباطأ النعش وتشبث بالظل، وها هى أيامنا الأولى تفرش حكاياها يا «محمد». حبات الذرة الطرية وكفك الغضة، وأهازيجك المغردة. طعم ولحن لا يموتان يا «محمد» رغم دوران الأيام. تدور فيصير جسدى تراباً فى تراب. جسدك أنت ترويه الدموع وتسقيه ماءها المملح فيشتد ويستوى على ساقيك.. أجيئك فى الأحلام وفى الذكريات وأهمس لك فى صحوك: - إياك أن تنكسر.. - إياك أن تنكسر.. قلتها زاعقة حماسية حين وجدتك يا «محمد» ترتدى الزى العسكرى. ألبستك كل ما كنت تنوى أن ترتديه: الأفرول والبيادة. صحبتك وأنت تؤدى طابور العبور فى ترعة المحمودية. خرجت لك من لجاج المياه، من بين الثلج الأبيض المحيط بالمناطيد العابرة للضفة الأخرى. ومنطادك يمرق كالسهم، كنوارس شعبان المغربية ملت نحوك: - لا تنسَ.. فقلت لى فى ثقة متناهية: - لم أنسَ قط.. ذات ليل دامس كنت أدور فوق الصحراء. تناهت إلى سمعى أصوات مختلطة.. دبيب أرجل.. شخير عربات.. زمجرة دبابات.. قرقعة أسلحة تجهز.. كركبة مدافع تتقدم فى حذر.. ذرات الغبار تبدو فى ألسنة ضوء تبرق على فترات متباعدة عبر أماكن لا متناهية، وكل شىء كان يتم فى صمت. كل الوجوه يعلوها الترقب. فى عز الظهر أقلعت الطائرات وحطم أزيزها سكون الصحراء.. نبضت القلوب وارتفع نبضها فى حناجر مكبرة، وتدافعت الأجساد تعبر إلى الخلاص. لهب فى لهب.. هالات من النار والنور، وأرض امتلأت بالجنود. آلاف المناطيد كخلايا تنبض فى شريان القناة. طائرات العدو تأتى كالنوارس فترديها المدافع والصواريخ كالذباب. ها هو الحلم تحقق يا «شعبان»: «تم تدمير كل طائرات العدو». تسقط مهدلة الأجنحة فيجرى الجنود إليها كأنها لعبة فى أيدى أطفال أشقياء. يرمون بها ويتقاذفون محتوياتها ويكبرون.. ويكبرون. الأرض تبرح وترشف نبض الفاتحين، وتسقيهم حلاوة الانتصار، فتتسابق الأرواح نحو الضفة الأخرى. وسط العجيج والضجيج ثمة وجه لطفل صغير، راح يولد من خصاص الرمل وحشف الصخر، ويتهادى فى بحر الصفار. نصفان يتقاربان ويأتيان على مهل. أمعنت النظر والعين مثبتة فى اتجاه الوجه فإذا بلؤلؤ الثنايا يبرق، وحرير الرأس يهفهف فى ريح النصر. يلتئم النصفان ويصيران واحداً. هو وجهك منذ سنين تماماً.. . تماماً يا «محمد».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجندى غير المجهول 44 الجندى غير المجهول 44



GMT 04:16 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:11 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

GMT 04:08 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

من مفارقات هذا الزمان

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:43 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:24 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:11 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib