صاحب البيزنس العابر للثورات 2  2

صاحب البيزنس العابر للثورات (2 - 2)

المغرب اليوم -

صاحب البيزنس العابر للثورات 2  2

عمار علي حسن
هاتفه أسياده بعد جمعة الغضب، فطمأنوه إلى أن كل شىء سيمضى على حاله. وأن بوسعهم أن يلملموا كل ما يجرى فى أكفهم. وقال لنفسه: لا بأس، ربما ما حدث ينبه ولى نعمتنا إلى مرض أصاب الجسد، فيسعى وراء الشفاء الناجع. لم يكن يدرى أن الجسد تحلل، وتعفن، والدود يرعى فيه، وأن البيت المتصدع سينهار فجأة. وكان عليه أن يبحث عن أسياد جدد. بل فى الحقيقة لم يكن بحاجة إلى أن يبذل أى مجهود فى البحث عنهم. فها هم أمامه يجلسون على الكرسى الكبير معاً، يتوسطهم قائدهم وهم يلتصقون به، ويمدون أيديهم لمن يريد أن ينضم إليهم، ويمسك أرجل الكرسى لتنغرس أكثر فى الأرض. ساعات وكان عند القائد يحدثه عن رغبته منذ زمن فى أن يبرم تعاقدات مع الجيش. ينفع ويستنفع. وكان له ما أراد. ضخ أموالاً طائلة، ولم يحصل على عقود، وحين اندهش وسأل القائد، قال له: عقودنا داخلية لدواعى الأمن القومى، ولا تقلق على فلوسك، فهى معنا فى الحفظ والصون. ضحك، ووارى عجزه داخله: طبعاً يا أفندم، القليل معكم كثير. ولم يبخل عليهم بشىء، وهو يرى الأمور تقف عند حالها. ثروته لم تمس، ولا يلوح فى الأفق أى دليل على أن ما حدث مع والده سيتكرر معه. تأثرت القرى السياحية والفنادق التى يملكها لتراجع السياح الوافدين إلى الشمس والغوص، لكنه عوض ذلك من ارتفاع أسعار السلع الغذائية، بل زادت أرباحه السنوية بعد شتاء الغضب، بصورة لم تخطر بباله، وكأن الناس قد مستهم نار الثورة، فالنار تأكل وتقول: هل من مزيد. وكان كلما أبدى له أحد رجال الأعمال قلقه حيال ما يجرى، طمأنه قائلاً: ضباط اليوم مختلفون، فالجيش مثلنا مشغول بصناعة المكرونة، وبعض قادته ذاقوا طعم الثروة، وارتخت مناقيرهم، وباتوا نسوراً أليفة، تصيح كالديكة وتقرقر كالدجاج. وحين وجد أصحاب اللحى يشقون الصفوف، ويتقدمون داهسين بأقدامهم كل من سبقهم إلى الغضب، انتابه خوف. وقال لنفسه: يبدو أن هذه العاصفة لن تنتهى أبداً، فما إن تهدأ قليلاً حتى تهب موجة أخرى عاتية، ولا بد أن ننحنى أمامها وإلا كنستنا. لكن بعض زملائه طمأنوه تماماً، وقالوا له: لا تخف كل شىء سيبقى على حاله، هؤلاء ليسوا مختلفين، هم مثلنا، يسعون بنهم إلى الثروة والجاه، وكل شىء عندهم له سنده وتبريره، كثيرون منهم يملأون السوق، وإن تدثروا بأردية أخرى، ولا تنس أن نحو نصف وزارة هشام قنديل من رجال جمال مبارك، وها هم يتبعون تعليمات الصندوق والبنك الدوليين، فى سمع وطاعة. ولم تمض أيام على جلوس من جهزوه على عجل وأجلسوه على الكرسى الكبير حتى رن هاتفه، وقيل له: هناك دعوة لكم لاجتماع عاجل لجمعية رجال الأعمال. تهللت أساريره، فرئيس الجمعية الجديد ليس غريباً عليه، وبينهما شغل قديم حين يقيم معارض السلع المعمرة، التى كانت لا تكف عن وضع النقود فى جيبه، والأصوات فى صندوق جماعته. ذهب إلى الاجتماع تسبقه الفرحة. وهناك قال أحدهم لرئيس الجمعية: سمعتك مرة تتكلم عن العدل الاجتماعى، فارتج قلبى رعباً. فابتسم، ورمى بصره حتى شملهم جميعاً: بعض الناس يرضيهم الكلام، وهو للاستهلاك المحلى. وبدا له أن هذا النوع من الاستهلاك هو الأغزر فى بلاده، وأنه لا نهاية له. وتذكر أولئك الذين ملأوا الساحات ودقوا الهواء مطالبين بالعدل، وابتسم، وران عليه الصمت، متطلعاً فى وجوه الجالسين عن يمينه وعن شماله، وشفاههم تتلمظ فى شره، وعيونهم تسكنها أطماع بلا حدود. سقط «الرجل الاحتياطى» لكن فرص صاحبنا لم تتغير، بل انفتح أمامه باب الأمل فى أن يعزز كومة الثروة التى يقف فوقها فارداً جناحيه للرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صاحب البيزنس العابر للثورات 2  2 صاحب البيزنس العابر للثورات 2  2



GMT 08:52 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

كتاب المسؤولية يقول

GMT 00:19 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

ضحية الأب

GMT 00:17 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

قصتى مع الكتب!

GMT 00:15 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مرة أخرى: المسئولية الإقليمية لمصر !

GMT 00:13 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

دواعش الغرب... مشكلته

GMT 00:12 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مجنون أفريقيا الرهيب

GMT 00:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

GMT 00:10 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

نهاية «ستارت 3»... عالم بلا حدود نووية

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:44 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

"ميشال فاضل يتألّق في مدينة "الملك عبدالله الإقتصادية

GMT 13:55 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

شركة اسرائيلية تنقب عن النفط والغاز الطبيعي في الداخلة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib