شهداء يحكون ما سيأتى 12

شهداء يحكون ما سيأتى (1-2)

المغرب اليوم -

شهداء يحكون ما سيأتى 12

عمار علي حسن

ما إن خرجت روحا أحمد حسن هاشم فتى مصر الجديدة، وحنا تادروس صومائيل فتى مصر القديمة، بين يدى المهندس إبراهيم الشربينى، الذى عاد من الخارج على عجل للمشاركة فى الثورة، حتى دارتا الميدان من أقصاه إلى أدناه تسبحان فوق رؤوس الغاضبين. رأتا ما لا يراه كل هؤلاء المحتشدين هنا، أو أولئك الذين ينتظرون الخلاص خلف الجدران المصمتة. كانتا تبتسمان وترفرفان بلا أجنحة، وتلثمان الوجوه التى احمرت من الحماس رغم برد الشتاء. ترتفعان فى الهواء فتريان الميدان كله بقعة ملونة جميلة، ثم تهبطان معاً، لتحوما حول كل من اقترب انضمامه إليهما. كان شارع محمد محمود مكتظاً بالمتظاهرين، والليل رمى سدوله على الجدران والأرض والحارات الجانبية والشجر الذى يتناثر داخل سور الجامعة الأمريكية. ومن عمق الظلام كانت تومض طلقات تعرف إلى أين تذهب. ولا تمر دقائق إلا ويأتى الشباب حاملين أحدهم مطروحاً فوق الأكتاف، ويقطر دماً من رأسه أو صدره، ولا تمر دقائق أخرى إلا وتصعد روحه إلى أخواتها، أو يشق له ممر إلى عربة إسعاف تأخذه إلى المستشفى، وهناك يخمد الجسد، فتنفتح أبواب قفص اللحم والعظم، ليخرج منه المارد المحبوس، الذى لا يعرف أحد عنه شيئاً. ويرتل المقرئون فى المآتم التى تنعقد تباعاً: «ويسألونك عن الروح. قل الروح من أمر ربى. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» تتزامل أرواح الشهداء فى عالم الغيب. تصاحب كل منها تلك التى كانت تصادقها فى الدنيا. ولهذا ظلت روحا أحمد وحنا تطيران معاً. تذهبان إلى المكان الذى سقط فيه الجسدان اللذان كانا يحبسانهما سنوات، ثم تحطان على رأس الشربينى، وهو واقف على طرف الميدان، يعد «علب الطعام» التى اشترتها «لجنة الإعاشة» من تبرعات جمعها الثوار. دخلتا ذات ليلة إلى مكتب السياحة. كان النقاش بين الإخوانى الشيخ رأفت وأحد شباب الثورة يدعى حسن قد احتد. وقال له حسن، قبل أن ينصرف غاضباً: ـ نحن الذين سنموت هنا. أما أنتم فستذهبون لعقد الصفقات التى تبقيكم على قيد الحياة. تمصون دماء هذا الشعب، وتسخرون منه، وتستعملونه مجرد أدوات لتحقيق أغراضكم التى لا تخص أحداً سواكم، لكنكم تتوهمون أن فيها سعادة الجميع. كان رأفت يبتسم ساخراً، ثم انفجر فجأة فى حسن: ـ نحن من يقدم التضحيات دوماً. فهز حسن رأسه وقال: ـ تضحيات من أجل مَن؟ ـ طبعاً من أجل هذا البلد. ـ بل من أجل جماعتكم. مشروعكم الذى يعشش فى رؤوسكم كالوباء، والذى فصّلتموه على مقاس أطماعكم حتى كاد يصير ديناً جديداً. ـ هذا كلام مرسل، لا دليل عليه. ـ أكبر دليل هو أنكم لم تقدموا سوى عدد قليل من الشهداء، ستة أو سبعة على الأكثر، وهذا لا يتناسب مع حجم مزاعمكم بأنكم الضلع الأساسى فى هذه الثورة، ولا مع حجم مطالبكم التى تتراكم ولا يبدو لها حد، وهى ليست للناس، إنما لجماعتكم، بقرتكم المقدسة. كانت الروحان ترفرفان بينهما، وهما تعلمان كل شىء. تحدبان على كتف الشاب المخلص الذى لا يقول إلا ما يؤمن به، وتعرفان أن روحه ستنضم بعد زمن ليس ببعيد إليهما. وتنظران بغيظ إلى الشيخ، الذى ستبقى روحه ساكنة فى جسد يسعى دوماً إلى مزيد من القوة واللذة، وستذهب معه إلى القصر الكبير. (نكمل غداً إن شاء الله تعالى) نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شهداء يحكون ما سيأتى 12 شهداء يحكون ما سيأتى 12



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib