أيام محمد محمود 1

أيام محمد محمود (1)

المغرب اليوم -

أيام محمد محمود 1

عمار علي حسن
كنت فى قلب هذا الحدث المهيب منذ أول لحظة، إذ ذهبت إلى ميدان التحرير مع الذاهبين احتجاجا على الصورة المفزعة التى رأيناها على شاشات التليفزيون لضباط وجنود من الأمن المركزى يركلون شابا بعنف وغل دفين، حتى وافته المنية، ثم سحبوه وألقوه فى وسط القمامة. امتلأ الميدان بالغاضبين، وقبيل المغرب هجمت قوات الشرطة العسكرية على المحتشدين من شارع محمد محمود بأعداد كثيفة، بعد أن أطلقت رصاصا صوتيا لإثارة الفزع، ثم قنابل غاز خانق، ورصاصا مطاطيا، وانهالت ضربا بالهراوات فى قسوة ظاهرة وبلا هوادة، فأخذ الناس فى الفرار صوب اتجاهات عدة. وكنت من بين الذين تقهقروا نحو كوبرى قصر النيل، الذى ما لبث أن امتلأ بالفارين، فتجمعوا عليه، وولد فى هذه اللحظة هتاف: «يسقط يسقط حكم العسكر» هادرا، بعد أن كان يقال همسا، أو يكتب على استحياء فوق بعض الجدران. لكن الشرطة العسكرية انسحبت فعاد الثوار إلى الميدان وبدا المشهد قريبا جدا، بل ومطابقا ليوم انطلاق الثورة فى 25 يناير 2011، فقال كثيرون: ثورة ثانية، وقلت لهم: بل الموجة الثانية من الثورة. وكنت أتحدث عن هذه المسألة بإفراط طيلة الشهور التى أعقبت انطلاق الثورة حتى يبقى الناس محتشدين حول الفعل الثورى، ويعلم من تسلموا السلطة أن الأمر لم ينته، كما ظنوا، وراحوا يتصرفون وكأن الغاضبين لم يملأوا الشوارع ويكنسوا أمامهم تجبّر وتغطرس أجهزة القمع. فى اليوم الثانى اتصلت بالدكتور عصام العريان، وقلت له: الناس عادت إلى الميدان، فى موجة ثانية من الثورة، فإن شاركتم فهذا جيد، لتثبتوا أنكم جزء من الحركة الوطنية الرامية إلى التغيير الجذرى، وإن لم تشاركوا فعلى الأقل كفوا عن مهاجمة الثوار ونعتهم بما ليس فيهم. لكنه قال لى: تقديراتنا مختلفة، ولن نشارك، لأنها مؤامرة لتأجيل الانتخابات البرلمانية. وبالطبع لم تكن كذلك، بل إن دموية الحدث وسخونته أجبرت المجلس العسكرى على أن يقدم تنازلا جديدا بتحديد موعد انتخابات الرئاسة، وهى خطوة استفاد منها الإخوان رغم عدم مشاركتهم فى هذا الاحتجاج، وفتحت الطريق أمامهم ليضعوا محمد مرسى على كرسى مبارك، ولو بنجاح فاتر. ولما اشتعل الموقف، وراح الشهداء يتساقطون خنقا بالغاز وخرقا بالخرطوش والرصاص الحى، طالبت فى مداخلات مع قنوات فضائية عديدة بمحاكمة المشير محمد حسين طنطاوى بتهمة قتل المصريين على غرار محاكمة مبارك، وناديت مع المحتشدين بهذا فى ميدان التحرير. ورحت أمارس ما اعتدت على فعله خلال الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، وهو التجول بين الناس المحتشدين فى الميدان، ونعقد سويا حلقات للنقاش، حول ما يجب أن نفعله، سواء من زاوية استثمار هذا الحدث فى تحريك الموقف السياسى، أو فى صد العدوان المتوالى علينا من شارع محمد محمود. وفجأة وضع رجل فارع الطول فى الحلقة السابعة من عمره يده على كتفى وقال: أنت هنا مجرد رأس بين الرؤوس، فى حساب العسكر، الذين ربما يعدوننا بالطائرات الآن من الجو. والصحيح أن نملأ نحن الميدان، لتتفاوضوا أنتم فى سبيل وقف هذه المجزرة. كان الثوار قد أفسحوا أجسادهم فصنعوا ممرا آمنا وضيقا لعربات الإسعاف والدراجات البخارية التى كانت تنقل المصابين من قلب شارع محمد محمود، الإصابات الخفيفة إلى المستشفى الميدانى بمسجد عمر مكرم، والبالغة إلى قصر العينى، ومستشفى المنيرة. ونقلت الاقتراح الذى انتهينا إليه بقيام قوات الجيش بوضع جدار أسمنتى وأنساق من الأسلاك الشائكة للفصل بين الثوار وقوات الأمن إلى الدكتور عبدالجليل مصطفى المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير، وطلبت منه أن ينقله إلى اللواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع. وبعد ساعة هاتفنى وقال لى إنه نقل وجهة نظر الميدان إلى العصار. لكن السلطة تلكأت وتباطأت، رعونة وخيبة أم عن عمد لا ندرى، ولم تقدم على هذه الخطوة إلا بعد أربعة أيام، فحالت بين المتقاتلين ومنعت إراقة المزيد من الدماء. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أيام محمد محمود 1 أيام محمد محمود 1



GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

GMT 04:39 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 04:38 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:31 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
المغرب اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 13:10 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط فتاة وشاب يمارسان الجنس داخل سيارة نواحي الدريوش

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 11:49 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

تحطم طائرة عسكرية ومقتل طاقمها في الجزائر

GMT 21:00 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

هيكتور كوبر يصرح "قطعنا خطوة كبيرة نحو مونديال روسيا"

GMT 04:46 2019 السبت ,04 أيار / مايو

شركة أمريكية تزيد من عضلات "موستنج".

GMT 14:25 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما يحشد المواطنين ضد الكونغرس "بهاشتاج"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib