إطاعة السلطة وعقلية التسلط

إطاعة السلطة وعقلية التسلط

المغرب اليوم -

إطاعة السلطة وعقلية التسلط

معتز بالله عبد الفتاح
أتذكر حوارا دار بينى وبين أحد شباب الثورة فى منتصف 2011 عن علاقة شباب الثورة النشطين بوزارة الداخلية وخوفى عليهم من أنهم يعرضون أنفسهم لمخاطر شديدة وبنتائج محدودة لا تتفق مع كم التضحيات. وكان ذلك مباشرة بعد حادثة مسرح البالون، وقد كان حظى أننى نزلت لمتابعة الموقف ميدانيا، فأصابنى الغاز المسيل للدموع فى مقتل لدرجة جعلتنى أصاب بحساسية فى صدرى لم أزل أعانى من بعض آثارها حتى الآن. وحين التقيت وزير الداخلية بعدها، قال لى: «وإيه اللى نزلك؟» الحقيقة اغتظت من الرد، ولكن ظل عندى سؤال يحيرنى وهو كيف يفكر ضباط وجنود الداخلية والجيش حين تصدر إليهم أوامر بالاشتباك مع متظاهرين، لا سيما مع رد الوزير بأنه من الصعب السيطرة على الجنود وقت الاشتباك. التقيت مع العديد من الضباط والمجندين، وأحيانا كانت النقاشات مطولة لدرجة كشفت عندى الكثير من تعقيدات النفس الإنسانية. وتذكرت آنذاك تجربة شهيرة لعالم نفس أمريكى اسمه ستانلى مليجرام تكتشف أن البشر لديهم قدرة مكبوتة لإطاعة السلطة حتى فى مجالات وأمور ما كانوا ليقبلوها فى الظروف العادية. بل إن بعض الدراسات الأحدث اكتشفت أن السلطة يمكن أن تولد عند الإنسان نزعة نحو الإضرار بالآخرين ماديا ومعنويا (المازوخية) تحت مزاعم الحرص على الصالح العام. والمثير فى التجربة طريقة إجرائها، حيث يكون هناك ثلاثة أطراف: الشخص المشرف على التجربة وهو الذى يعطى التوجيهات ممثلا للسلطة، وشخص يتلقى التوجيهات وهو هنا يمثل الإنسان العادى الذى تجرى عليه التجربة، وشخص ثالث يمثل دور مواطن يجيب عن الأسئلة وحين يخطئ يعاقب بجرعة من الكهرباء التى تدخل جسده. وهذا الشخص الأخير يتظاهر بالألم. والغريب أن الإنسان الذى تجرى عليه التجربة يتعرض لصاعقة كهربائية مبدئية ليتعرف على نوع الألم الذى سيصيب به الشخص الذى يخطئ فى الإجابة عن الأسئلة. وفى كل الحالات يقول الشخص الذى يتعرض للألم إن أخطأ إنه عنده بعض المشاكل الصحية فى القلب كتحذير للشخص السائل حتى لا يبالغ فى تعذيب غيره. ماذا كانت النتيجة؟ نزع أكثر من ثلثى المبحوثين إلى إساءة استخدام العقاب المتاح لهم من شحنات كهربائية مستجيبين لتوجيهات المشرف الذى يعبر عن السلطة متجاهلين استغاثات الضحية. تكررت التجربة عدة مرات فى سياقات مختلفة، وكانت النتائج متفاوتة فى نسب الإذعان للسلطة، ولكن ظل المبدأ قائما. وتنوعت التفسيرات: أولا، هناك تفسير يقوم على الفكرة الوجودية بأن البشر يولدون أشرارا وأن نزعة الإضرار بالآخرين من فطرته الأصيلة. وهنا يعود التذكير بمقولة فرويد بنزعة الطفل الصغير لتعذيب القطة الصغيرة. ثانيا، هناك تفسير يركز على نزعة البشر نحو «التعويض النفسى» عبر التخلص من الإحباطات الذاتية والطاقة السلبية من خلال إيقاع الإيذاء على الآخرين. ويجدون منطقهم فى أن المبحوثين من بعض الدول مثل الدول الإسكندنافية واليابان كانوا أكثر مقاومة لفكرة تعذيب الآخرين مقارنة بنظرائهم فى المجتمعات الرأسمالية. ثالثا، التقط دارسو العلوم السياسية التجربة للتأكيد على أهمية وجود «دولة القانون» التى تحمى المواطن من نفسه ومن نظيره المواطن ومن السلطة، ورجعوا بتحليلهم إلى «توماس هوبز» الذى سبق كل هذه التجربة بأن أسقط أى افتراض حول خيرية الإنسان وإنما أعلنها بوضوح أن البشر يولدون أشرارا حاقدين وما يمنعهم عن ذلك أن يتوقعوا عقابا شديدا على مخالفتهم لسلطان الدولة ذات السيادة. وبنى باحثون آخرون (منهم تشارلز تيلى) على أن كل المجتمعات التى أصبحت ديمقراطيات راسخة فى مرحلة ما مرت بلحظة هوبزية بما فى ذلك الدول الإسكندنافية واليابان والغرب بكل دوله. من أسف، يعلمنا التاريخ أن بناء الدولة، وحتى هدمها، مسألة مليئة بالدماء والضحايا والخسائر التى يسعى العقلاء لمنعها أو التقليل منها. لكن هى نفس قصة كل المجتمعات التى يظل أهلها يتصارعون ويتقاتلون وبعد أن يصلوا إلى حالة اللامنتصر واللامهزوم يقولون: لماذا كل هذه الدماء؟ وينتهون بعبارة السامرى الشهيرة: «وكذلك سولت لى نفسى». وتظهر الحكمة بأثر رجعى بعد أن نكون خسرنا وأخسرنا أنفسنا فوق ما نطيق. هذا ما يقوله العلم، وما يقوله التاريخ: السؤال: هل بيننا رجل رشيد؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إطاعة السلطة وعقلية التسلط إطاعة السلطة وعقلية التسلط



GMT 14:59 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

«الملحد» و«الست»

GMT 14:55 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

هل يمكن خلع أنياب الأسد الجريح؟

GMT 02:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

الناس ونواب الناس

GMT 02:52 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أكنس مقام السيدة

GMT 02:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

كروان مشاكل وإخوانه

GMT 02:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف

GMT 02:43 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

البرلمان تنقصه لجنة

GMT 02:36 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

الرباط - المغرب اليوم

GMT 15:52 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

سلمى أبو ضيف تكشف عن سبب قبولها مسلسل عرض وطلب
المغرب اليوم - سلمى أبو ضيف تكشف عن سبب قبولها مسلسل عرض وطلب

GMT 06:16 2025 الإثنين ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 03 نوفمبر/تشرين الثاني 2025

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:08 2017 الإثنين ,11 أيلول / سبتمبر

ظهور دادي يانكي في المغرب من جديد

GMT 16:15 2021 الإثنين ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الصين تحول تحدي "لعبة الحبار" إلى حقيقة

GMT 04:14 2018 الإثنين ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"الديستي" يحبط محاولة للهجرة السرية بجهة طنجة

GMT 12:31 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 21:24 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء هادئة خلال هذا الشهر

GMT 03:28 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حارس محمية في كينيا يتعرّض للإصابة بسهم في فمه
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib