هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة

هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة؟

المغرب اليوم -

هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة

عبد الرحمن الراشد
بقلم - عبد الرحمن الراشد

إيرانُ الجديدةُ تعنِي إيرانَ مختلفةً عمَّا عهدناه عليهَا لأربعةِ عقود. ربَّما يصل نظامٌ حديثٌ مدني، أو النّظامُ الحالي نفسُه إنَّما بسياسةٍ مختلفة، تتَّجه نحو الانفتاح، بما فيه مع الغرب، وتنتهي من «دولة حرب» وتنخرطُ في التَّنافسِ السياسيّ والاقتصاديّ والتحالفاتِ الإقليميةِ الجديدة.

هل هذا مدعاةٌ للقلق؟ ولماذا؟

بعض المؤمنينَ بهذه النظريةِ يعتقدونَ أنَّ إيرانَ القديمةَ المحاصرة آمنُ لجيرانِها من إيرانَ المنفتحة!

وجهةُ نظرهم تقول إنَّ إيرانَ دولةٌ إقليميةٌ كبرى وعملاقٌ اقتصاديٌّ خاملٌ قتلَه المؤدلجونَ من رجالِ الدين. لذا، فإنَّ الانفتاحَ سيغيّر المعادلةَ وسيجعلُ المنافسةَ صعبةً على دولٍ مثل الدولِ الخليجية، وكذلكَ العراق ومصر. وسيزدادُ الوضعُ تحدّياً وتعقيداً إذا تصالحت مع إسرائيلَ وطبَّعت معها. وستصبحُ في المنطقة قوتانِ مهيمنتان.

رأيي أنَّ هذا التصورَ واردٌ جداً، فَلكلِّ دورةٍ نهاية، ونحن نلحظُ تآكلَ النّظامِ الإيرانيّ القديم، وربَّما يتداعى ذاتياً أو نتيجة المواجهةِ الوشيكةِ مع الولايات المتحدة وإسرائيل. الاحتمالُ القويُّ الآخر أن يصمدَ النّظامُ أمام التَّحدي العسكريّ، لكنَّه يتغيَّر من داخله، كما حدثَ لروسيا والصّين من قبل.

هنا نفترضُ أنَّ التَّغيير واردٌ في الحالتين، طبعاً هذا لا ينفي احتمالات أخرى، مثل صمودِ النّظام ومحافظته على سياساتِه القديمة، أو تغير النّظام جزئياً ويصبح أكثرَ تطرّفاً وانغلاقاً. سنستبعدُ هذينِ الاحتمالين ونركّز الحديثَ عن احتماليةِ «التغيير» كسياسة، بغضّ النَّظرِ عمَّا إذا بَقِيَ الحكم أم لا.

إيرانُ كانت ولا تزال محوراً إقليمياً فاعلاً، ومنذ تبنّيها سياسةَ تصديرِ الثوراتِ وهي المصدرُ الرئيسي للتوتر والحروبِ والتنافس العسكري، حتى من قاسموها نشرَ الفوضى مثل صدام والقذافي تأثيرُهم أقل.

سياسةُ إيرانَ القائمة على الصّدامات والمحاور العسكرية تقلق المنطقةَ وتستنزف مقدراتِها. ساهمت عقوباتُ الولاياتِ المتحدة عليهَا في إضعاف اقتصادها دون منحِ الدول الأخرى ميزة مضافة. الفوضى والزعزعة من إيران كلَّفتِ المنطقة كثيراً، وصارت طاردةً للمستثمرين الدوليين، واضطر أكثرُ الحكوماتِ للتركيز على التخندق والتحالف المضاد.

إيرانُ المنفتحةُ المستقرةُ ستكون مصدراً لإنعاشِ المنطقة، وليس إفقارها، كما يخاف البعض. هناك نماذجُ مختلفة في العالم تبيّن كيف أنَّ النهوضَ لدولة هو رفع مستوى المنطقة، وليس العكس.

ماذا عن قيامِ علاقةٍ بين إيرانَ وإسرائيلَ مستقبلاً؟ هذا احتمالٌ واردٌ بنسبةٍ عالية. بخلافِ ما يبدو لنا، فإنَّ التوتر الإيراني الإسرائيلي منذ الثورة وإلى اليوم هو نتيجة التنافس على الهيمنة، وليس العداء المتجذر، رغم الخطابِ السياسيّ الدينيّ والتاريخيّ للنظامين. فإسرائيلُ لم تكن تقبلُ بهيمنةِ إيرانَ الإقليمية لأنَّها قد تهددها، وإيرانُ كانت تتوسع في ما تعتبره مجالَها بالسعي للسيطرة على لبنان وسوريا والعراق وغيرها من دول المشرق العربي، ولو قبلت إسرائيلُ التعايش مع التمدد الإيراني لما وقع الصدام. هذا التَّصورُ يكاد يكون من المستحيل أن تتعايش معه الدولةُ العبريةُ التي تخشى من نوايا التمدد، إضافة إلى أنَّها لن تقبلَ بأي قوة إقليمية تملك هذا الكم الهائل من النفوذ، حتى لو كانت محايدة. مشروعُ النّظامِ الحالي في طهران كانَ بناء إمبراطورية إسلامية إيرانية، كما كانَت للأتراك دولتهم الواسعة، والعرب من قبلهم.

المشروع تهاوى، لأنَّه غيرُ واقعيّ في عالم اليوم، وثانياً لأنَّ النظامَ الإيراني وإن كان قادراً على تصنيع أسلحةٍ متفوقةٍ وبناءِ شبكاتٍ إقليمية خطيرة، فإنَّه نظامٌ متخلفٌ إداريّاً واقتصاديّاً وغارقٌ في الآيديولوجيا المتشددةِ المرفوضة عالمياً، حتى من قبل دولٍ مساندةٍ له، مثل الصين وروسيا.

علاقة طهرانَ بتل أبيب محتملة، وربَّما النظام الحالي في حال تبدلت سياستُه، حيث لإسرائيل علاقات مباشرة وشبه مباشرة مع نحو نصفِ الدول العربية والإقليمية الأخرى. هل تتحوَّل العلاقة إلى تحالف؟ مستبعدٌ، لأنَّ إيرانَ هي المعسكر الذي تتحالف القوى الإقليمية ضده، وعندما تتغيّر حينها ضد من ستتحالف إسرائيل وإيران؟ إيرانُ ستكون سوقاً واعدةً لدول المنطقة إن تغيَّر منهجُها. ربَّما ستشبه السعوديةَ مثلاً التي هي رافدٌ مهمٌّ لاقتصاديات كثيرٍ من الدولِ العربية والإقليمية.

التنافسُ الاقتصادي مع إيران سيرفع المنطقةَ إلى مستويات جديدة، وسيدفع هذا دولاً للتركيز على تطوير قدراتها، وتكون ملهمة كالسعودية في «رؤيتها 2030»، التي رسمت خطَّتَها لتعزيز مصادرِ دخلٍ متعددة بدلاً من الاعتماد الخطير على موردِ النفط وحدَه. إيرانُ القديمةُ عبءٌ على المنطقةِ، وسببٌ في استنزاف مواردها، ومن المأمولِ أن نرى إيرانَ جديدةً ناجحةً ومزدهرةً ومستقرة، لأنَّ هذا سيصبّ في صالح جيرانها. لك أن تتخيَّل أن تكونَ جارتُكَ كوريا الجنوبية، التي هي الأخرى خرجت مدمَّرةً في الخمسينات، وكذلك سنغافورة، وآيرلندا التي كانت فقيرة أوروبا. الدولُ الناجحةُ تخلق بيئةً إقليميةً إيجابيةً مزدهرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 20:11 2026 الأحد ,19 إبريل / نيسان

اختراق علمي لوقف فيروس يصيب 95% من البشر
المغرب اليوم - اختراق علمي لوقف فيروس يصيب 95% من البشر

GMT 15:46 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

يحمل هذا اليوم آفاقاً واسعة من الحب والأزدهار

GMT 12:35 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 26-9-2020

GMT 20:34 2016 الأحد ,17 إبريل / نيسان

15 نصيحة لتطويل الشعر بسرعة

GMT 18:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 18:32 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:04 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 16:57 2016 الأربعاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

المغرب يشهد تشكيل 6 لجان تقصي حقائق منذ عام 1979

GMT 17:46 2024 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل بدائل للرخام في ديكورات المنزل

GMT 17:11 2023 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

يحتوى فيتامين د على العديد من الفوائد الصحية

GMT 03:37 2021 الإثنين ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

إرتفاع طفيف لمؤشر "مازي" في بورصة الدار البيضاء

GMT 09:42 2018 الأربعاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

ظهور نوع جديد من الديناصورات العملاقة في الأرجنتين

GMT 17:54 2014 الثلاثاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

إعلان كتاب خاص عن مجموعة "ناس الغيوان الموسيقيّة"

GMT 12:29 2012 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

وجه جديد لـ"أنا زهرة" أكثر المواقع النسائية حضورًا

GMT 02:51 2014 الجمعة ,20 حزيران / يونيو

لمسات بسيطة لتصميم منزل عصري
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib