ثوب «إنسانيتهم» من قماشة «قميص عثمان»

ثوب «إنسانيتهم» من قماشة «قميص عثمان»

المغرب اليوم -

ثوب «إنسانيتهم» من قماشة «قميص عثمان»

بقلم - عريب الرنتاوي

فجأة ومن دون سابق انذار، انطلقت حملة إعلامية عالمية ضد “جرائم الأسد وبوتين” في الغوطة الشرقية، وتكاثرت الصور والتقارير المصورة حول الارتكابات والفظائع التي تجري هناك ... وبدا أن الضحايا الأطفال الذين تطايرت صورهم المروّعة قبل أن تتطاير أشلاؤهم كما يزعمون، كانوا أودعوا لدى وكالات الأنباء وقنوات التلفزة، نسخاً من أرشيفاتهم القديمة، لغايات نشر صورهم وهم في أبهى حالاتهم إلى جانب ما تبقى منهم من مزقهم وأشلائهم، وما تيسر سحبه من تحت الأنقاض من حقائق مدرسية وأحذية أطفال وكل ما ينفع في تجييش الرأي العالم الدولي واستنفاره ضد “مجرمي الحرب”.
لا أحد ينكر أن ما يجري في الغوطة كارثة إنسانية موصوفة، لكن الموجة الإعلامية العالية تريد أن تجعل من الغوطة، هولوكوست أخرى، غير قابلة للمساءلة والفحص والتمحيص والتشكيك ... إن أنت قلت إن أعداد القتلى أقل بخمسين، ينهالون عليك بالاتهامات، وإن انت شككت في صحة بعض التقارير والصور، اتهمت بالتغطية على جرائم الحرب، وإن أنت قلت إن مجازر أخرى، اكثر هولاً، ارتكبت في أماكن أخرى، ولم تحظ بهذا القدر من النحيب واللطم على الخدود، ستتهم بأنك تسعى في “صرف الأنظار” عن جريمة العصر.
لكن ذلك لا يعني أن ما جرى في الغوطة أمرٌ يمكن أن يستسيغه عقل بشري أو ينام عليه ضمير إنساني يقظ، أو يقبل به إنسان القرن الحادي عشر ... هذا أمرٌ مفروغ منه، قولاً واحداً، جملة وتفصيلا.
لكن قبل أشهر قلائل فقط، كانت مدينة الرقة، السورية أيضاً، تتعرض لمصير أبشع من الغوطة، وفي الرقة مدنيون أيضاً، والمدنيون أطفال ونساء وشيوخ ورجال وشباب كذلك، المدينة مُسحت عن سطح الأرض، وحظر على الإعلام زيارتها، ولقي ساكنوها مصائر مروعة، من دون أن تذرف السيدة هيلي كيلي أو مندوب بريطانيا الدمع مدراراً، ومن دون أن تتجند الفضائيات “إياها” لبث حفلات الردح والندب واللطم وشق الثياب على مدار الساعة ... دمشق، بدورها، مدينة الثمانية ملايين نازح ومقيم، تتعرض يومياً لوابل من الصواريخ والقذائف، التي تطاول مختلف أحيائها، من دون أن نرى تغطية إعلامية رزينة ليوميات عاصمة الأمويين، ومواطنيها الذين يقتلون في منازلهم ومدارسهم ومحلاتهم، من دون سابق إنذار ... إنسانية هيلي والفضائيات إياها تمتد من حدود حي جوبر وصولاً إلى دوما البلد وما بينهما.
تذكرنا لطميات اليوم، الإنسانية جداً، بما كان يجري زمن معارك حلب الشرقية، والبكائيات التي دُبّجت على مدنيّها العزل، الذين سيواجهون الترك والنسيان المطلقين، ما أن أتمت قوات الجيش السوري سيطرتها على أحيائها ... هنا، يتحول المدنيون الذين كانت معاناتهم “قميص عثمان” قبل أيام قلائل، إلى أرقام في جداول الإحصاءات العامة، وإلى ميليشيات تدعم النظام، ولا تستحق لفتة إنسانية واحدة ... هنا يتوقف “الكرم الدولي الحاتمي” لأن مدنيي النظام لا يستحقون الشفقة والعطف، بل وليسوا مدنيين أصلاً، المدنيون فقط هم قاطنو الأحياء والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة ومسلحو داعش والنصرة، ما عداهم ليسوا مدنيين ولا يستحقون عطف العالم وتضامنه.
ونستغرب كما يستغرب السفير الروسي في مجلس الأمن: أليس في الغوطة سوى المستشفيات والمدارس، أليس فيها مسلحون ومعسكرات ودشم ومواقع إطلاق مدفعية وصواريخ ومستودعات لتخزين الأسلحة والذخائر ومهاجع للمسلحين، إذا كيف تصمد هذه المنطقة طوال هذه السنوات، في وجه الحلف الثلاثي، روسيا – إيران – وسوريا، وبقية القوى الرديفة والحليفة؟ ... ولماذا لا تصيب القذائف الصاروخية والمدفعية سوى أهداف إنسانية في هذه المنطقة، وهل ثمة ما يؤكد أن خرائط غرف عمليات هذه التحالف، لا تؤشر إلا على إحداثيات هذه المواقع الإنسانية فقط؟
ثم، وفي حمأة الحماسة الإنسانية لأطفال الغوطة ونسائها وشيوخها، تصمت كيلي ومعها حلف إقليمي – دولي عن سؤال: هل ستشمل “إنسانيتهم” المتفجرة، مقاتلي داعش والنصرة والفصائل الحليفة لهما كذلك، وكيف سيتمكنون من محاربة الإرهاب في هذه المناطق وغيرها من المناطق؟ ... وكيف تسمح نيكي هيلي وترامب، بإعطاء الضوء الأخضر للجيش الأمريكي للتوسع في عمليات قصف مواقع الإرهاب في مناطق معينة، دون الالتزام بالقيود التي فرضتها الإدارة السابقة، بخصوص المدنيين، فيما تستكثر الإدارة ذاتها، على موسكو وطهران ودمشق، فعل الشيء ذاته، في مناطق أخرى؟
ليست معايير مزدوجة فحسب، فهذه دائماً كانت مشكلة المقاربات الغربية لملفات المنطقة، ولكنها إضافة إلى ذلك، محاولة لإعادة النظر في قواعد الاشتباك مع النظام وحلفائه، عبر عمليات تهيئة “إنسانية” تبرر الوجود الأمريكي المستدام في سوريا، وتشرعن تفتيتها إلى إمارات متحاربة، بدءاً بأكرادها ... هي حلقة في سلسلة التصعيد الأمريكي – الإسرائيلي ضد إيران في المنطقة وفي سوريا، وهي فصل جديد من فصول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي وضعت روسيا على رأس قائمة الاستهداف بوصفها قوة “رجعية” معادية للولايات المتحدة والغرب والحضارة والإنسانية عموماً.
ثوب الإنسانية الذي تدثرت به بعض القوى الغربية، إنما هو من قماشة “قميص عثمان”، الذي يصلح للاستخدام في حملات التعبئة والتجييش ضد الآخر ... وهذه المرة، ربما يكون هذا “الآخر” هو النصرة، مثلما كانت داعش من قبل، والهدف دائماً، وفي كل الحالات، تحقيق أغراض سياسية بالاستناد إلى قوة الجماعات الإرهابية ... إنهم يدافعون عن النصرة تحت دثار الدوافع الإنسانية، في الغوطة كما في إدلب، وهم سيدافعون عن داعش في اليرموك والحجر الأسود وجوارهما، عندما تحين لحظة المواجهة مع راياتها السوداء في المستقبل القريب، أليسوا الحاضنة الدافئة للنصرة في القنيطرة وأطراف درعا؟ ألم يرتبطوا بـ “زواج متعة” مديد، مع داعش قبل احتلال الموصل والرقة واثناء حكم البغدادي لدولته الإسلامية في السنوات الثلاث الفائتة ... تعددت الأدوار وتبدلت، لكن القاعدة ما زالت على ثباتها: الغاية تبرر الوسيلة، والغاية هي إضعاف روسيا واستنزاف إيران وإنهاك سوريا، أما الوسيلة فلا قيود عليها، حتى وإن جاءت على صورة داعش والنصرة وأخواتهما.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثوب «إنسانيتهم» من قماشة «قميص عثمان» ثوب «إنسانيتهم» من قماشة «قميص عثمان»



GMT 14:15 2024 الأربعاء ,15 أيار / مايو

في ذكرى النكبة..”إسرائيل تلفظ أنفاسها”!

GMT 12:08 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

مشعل الكويت وأملها

GMT 12:02 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

بقاء السوريين في لبنان... ومشروع الفتنة

GMT 11:53 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

“النطنطة” بين الموالاة والمعارضة !

GMT 11:48 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

نتنياهو و«حماس»... إدامة الصراع وتعميقه؟

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 10:37 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 17:53 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا
المغرب اليوم - بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا

GMT 03:31 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مادورو يمثل اليوم لأول مرة أمام محكمة في نيويورك
المغرب اليوم - مادورو يمثل اليوم لأول مرة أمام محكمة في نيويورك

GMT 14:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

أحمد السقا يعلن اعتزاله السوشيال ميديا
المغرب اليوم - أحمد السقا يعلن اعتزاله السوشيال ميديا

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 11:58 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

حسام حسني يحلّ ضيفًا على برنامج "من غير سياسة" الإذاعي

GMT 00:30 2021 الإثنين ,13 كانون الأول / ديسمبر

مايكروسوفت تطالب أبل بالسماح بتوفير ألعاب Xbox على iOS

GMT 05:47 2019 الإثنين ,29 تموز / يوليو

انتحار شاب شنقًا في مدينة تطوان المغربية

GMT 08:20 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

مصر تسعى إلى النهوض بصناعة التمور من أجل التصدير

GMT 13:44 2022 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

فرانك ريبيري يُعلن رسميًا اعتزال كرة القدم

GMT 14:22 2022 الجمعة ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التشكيل المتوقع لمباراة أرسنال وليفربول في البريميرليغ

GMT 15:56 2021 الأربعاء ,07 إبريل / نيسان

إيطاليا تعطي الضوء الأخضر لحضور الجماهير في روما

GMT 21:23 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

مواصلة التحقيقات لفك لغز جريمة ذبح أسرة في سلا

GMT 21:08 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

الأحداث المشجعة تدفعك?إلى?الأمام?وتنسيك?الماضي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib