المغرب اليوم  - الجحيم المقدس شهادة على زمن الرعب والتردي

"الجحيم المقدس" شهادة على زمن الرعب والتردي

 المغرب اليوم  -

 المغرب اليوم  -

وأنا أمسك برواية "الجحيم المقدس" للروائي برهان شاوي تساءلت مع نفسي أي جحيم مقدس هذا الذي سأدخله؟ وهل هناك جحيم مقدس وآخر غير مقدس؟ أين يمكن أن يكون؟ في السماوات أم على الأرض؟ وكيف يكون شكله؟قبل الدخول الى عالم هذه الرواية نقرأ إشارة يقول فيها المؤلف: "حينما كتبت هذا العمل لم يكن في نيتي أن أدون حكاية سياسية وإنما حاولت أن أروي شذرات من تجارب شخصية لي، كما حاولت أن ألتقط بقايا أنين ووجع إنساني لأناس عرفتهم". إذن من الوجع والأنين الانساني ينطلق الروائي، والمكان العراق، جحيمنا المستمر في ضخ أوجاعه إلينا، والفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث كما سنعرف هي تلك الفترة المنسية أو التي لم تسلط عليها الأضواء بشكل جيد (أفول سلطة الرئيس أحمد حسن البكر وتسلم صدام حسين لزمام السلطة وبالتحديد الفترة من 1977- 1979 وهي المرحلة التي صفيت فيها كل التيارات الفكرية والسياسية) كما يشير المؤلف في مقدمته.. تاريخ يكاد يكون مغيباً (لأنهم) كانوا يعملون بشكل سري لم يصل بعد الى العلنية في إظهار وحشيتهم بعد أن تطورت آلة القتل واستطالت المخالب لتنهش جسد العراق.مكان الأحداث سيكون بين قرية مهجورة في شمال العراق تدعى قاينجة تقع على طريق يؤدي الى السليمانية وحلبجة وبنجوين، وقرية أخرى تدعى كاني سكان في الطرف الآخر من القرية الأولى، ومعسكر قريب للجنود يتحكم بالقرى المجاورة، من هذه الأمكنة المتقاربة تنطلق أحداث رواية الجحيم المقدس على شكل حكايات لا تعطي نفسها للقارىء مرة واحدة وإنما تأتي على شكل لقطات سريعة يجمعها الخوف والترقب والمصائر المفجعة، وكل حكاية تصلح أن تكون مشروع رواية مستقلة، لكن برهان شاوي كثف الأحداث والشخصيات وقطرها بانسياب اللغة وتدفقها عبر 120 صفحة وبثلاثة وعشرين فصلاً قصيراً، ما إنْ نقف على حكاية وقبل أن تكتمل حتى يأخذنا لحكاية أخرى، ثم يعود الى الحكاية الأولى يعطينا جرعة وينتقل بنا الى حكاية جديدة وتنتقل معها مجساتنا المتحفزة.وهكذا تتسارع الأحداث متنقلة من مكان الى آخر ومعها تتنقل الشخصيات التي ألقت بها أقدارها في كماشة النظام السرية، نلهث وراء السطور كما لو أننا نشاهد فيلم رعب، يخترقنا الغضب ويستقر في قلوبنا الوجع ونخاف على شيرين وأمها وعبدالله وعلي الفيلي وهاشم وصباح الرسام وكل من لا حول له ولا قوة في زمن القسوة والبطش ذاك، نخاف عليهم من الملازم صلاح المسؤول الحزبي وطراد التكريتي الذي يرصد الضحايا ويكتب عنهم التقارير والمختار الذي يتجسس على ابناء جلدته وكل من يمثل السلطة والمتعاونين معها.. هذه هي شخصيات الرواية، التي ندخل معها الجحيم.. ويا له من جحيم.حين تُقصف إحدى القرى ويباد أهلها تنجو أم شيرين وابنتها التي قُتل خطيبها، تذهب بها الى قرية أخرى لتودعها أمانة حيث سترحل الأم الى بغداد لتعرف مصير ابنها هيمن القابع في سجن (أبو غريب) ستذهب أولا الى ابن اختها علي الفيلي الذي يسكن في بيت تتوزع غرفه على مستأجرين آخرين من بينهم هاشم المتدين وصباح الرسام الشيوعي وطراد الذي يراقب ويكتب تقاريره الى أعلى السلطات.. سيأخذنا المؤلف الى أكثر من رحلة في هذا العمل الذي كتبه في العام 1987 وتركه بين أكداس كتبه ومخطوطاته لسنوات طويلة أنجز خلالها روايات ودواوين شعر ليصدر بعد ذلك العام 2012 عن الدار العربية للعلوم - ناشرون."الجحيم المقدس" تناقش هوية الانسان العراقي، تلك الهوية التي ظلت لعقود مهددة بالزوال والفناء، وتؤرخ لمرحلة صعبة من مراحل الحياة السياسية في العراق، وما رافق تلك المرحلة من إذلال وبطش وتعذيب وقتل وتغييب، بل حتى الذين لا علاقة لهم بالسياسة من عامة الناس لكنهم لا ينتمون فكراً للحزب الحاكم فقد عوملوا مثل ما عومل به معارضو السلطة، وسنعرف ذلك كلما مضينا في قراءة هذه الرواية، فعبد الله، الجندي المكلف وخريج معهد الفنون الجميلة، وهاشم المتدين، وصباح الرسام، سيلاقون المصير نفسه الذي يلاقيه غيرهم من القوميات الأخرى وقبل ذلك يتعرضون الى الكثير من الممارسات المهينة بحق إنسانيتهم.شيرين التي نجت من مذبحة قريتها ستعتقل ويكلف عبدالله بمهمة إيصالها الى الفرقة السابعة في السليمانية للتحقيق معها وبعد ذلك الى الفيلق الأول في كركوك، أمر لا بد أن ينفذ ورحلة محفوفة بالتوجس، لا مكان للعواطف فهو جندي مكلف وإن كان في داخله روح فنان يحب قراءة الروايات المترجمة ويقضي جل وقته خارج واجبه العسكري عند النبع ليتماهى مع جوليان سوريل بطل رواية "الأحمر والأسود" للكاتب الفرنسي ستندال ويتداخل الحلم بالواقع، بين ما هو عليه وما يقرؤه ليهرب من واقعه المر الى رحاب الأدب، ربما أراد المؤلف التخفيف من وطأة مشاهد الرعب بالانتقال الى أجواء تلك الرواية المترجمة، أو ليكشف العالم الجواني لبطله عبدالله هذا الجندي المتذمر والذي لا يخفي أحياناً تذمره مما يلمسه ويراه بحق شعب أراد أن يعيش فأريد له الزوال.حين تصل أم شيرين الى بغداد لم يكن ابن اختها علي الفيلي هناك، ولم تعرف بأنه اعتقل بتخطيط من طراد، فتقرر القيام بمهمتها ومقابلة الرئيس الذي يسخر منها ثم يأمر بعد إصرارها بأن ترى ولدها، لكن أين وكيف ستراه؟ في إحدى ثلاجات الموتى، تراه جثة هامدة وقد اخترق الرصاص جسده، عندها لا تتمالك نفسها من الصراخ وشتم النظام فيسحلها شرطيان بكل قسوة وتموت بين أيديهما، لم ترحمها الأيدي الخشنة بل جثة ولدها استشعرت الحال الذي وصلت اليه وذرفت دمعتين من عينين غادرهما بريق الحياة.أما شيرين فتغتصب داخل الدائرة الأمنية من قبل أحد الضباط، وسنعرف أن امرأة أخرى حامل قُتل زوجها وأطفالها تغتصب ايضاً، وبشكل جماعي فيسقط الجنين ميتاً وتنزف حتى الموت، وسينتحر الجندي المكلف بإيصال تلك المرأة لأنه لم يحتمل تلك البشاعة.وإذا كان الزمن داخل الرواية يهيمن على صفحاتها بكل قسوته فإن الزمن يمضي ولا يعود لكن الأمكنة التي اختارها برهان شاوي بأبعادها النفسية ستظل شاهدة على مرحلة فيها من السوء ما قاد البلاد فيما بعد الى الأسوأ، وقد جاءت حوارات هذه الرواية باللهجة العامية لتكون اكثر قرباً من الواقع وأكثر تقبلاً للإقناع.الشخصيات كلها وعلى اختلاف تنوعها تلتقي في ذاك الجب المظلم من قاع النظام وحيث لا يخرج أحد، مشاهد يقشعر لها البدن لا يعرفها العالم، بل يعرفها العراقيون الذين عاشوا تلك الفترة وجاءت في هذه الرواية بأصابع روائي خبير كرَّس جل أعماله لفضح تلك الممارسات لكي لا تنسى الأجيال القادمة ما عاناه الأسلاف، مادامت ذيول تلك الحقبة السوداء لا تزال حتى الان تعمل لتعيد الزمن الى الوراء، كأن عجلة الزمن لم تشبع من هرس أجساد العراقيين."الجحيم المقدس" رواية محكمة البناء مهولة الأحداث، بسرد تتصاعد فيه الفجيعة، مع كل حكاية من الحكايات، عبر لغة راصدة وكاشفة وثرة بمفرداتها وتفاصيلها لروائي متمرس ومنشغل على الدوام بالهم العراقي كشاهد عصر على زمن الرعب والتردي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 المغرب اليوم  - الجحيم المقدس شهادة على زمن الرعب والتردي  المغرب اليوم  - الجحيم المقدس شهادة على زمن الرعب والتردي



 المغرب اليوم  -

خلال مشاركة النجمة في حفلة "شركة اينشتاين"

نيكول شيرزينغر تتألق في فستان وردي جذاب

نيويورك ـ مادلين سعادة
جذبت المطربة نيكول شيرزينغر، الأنظار عند انضمامها إلى حفلة شركه اينشتاين، برفقة بفلغاري وغراي غوس في بيفرلي هيلز. وظهرت نيكول في ثوب وردي طويل شبه شفاف، ووقفت لالتقاط بعض الصور، وزينت النجمة المولودة في هاواي، فستانها بالشيفون المزخرف بالأسود بشكل أنيق. وبدت النجمة من دون حمالة صدر في الفستان نصف الشفاف، ما كشف عن جمال جسدها وأناقتها.  ووضعت النجمة القليل من المكياج، وأبرزت عينينها بالكحل الأسود مع القليل من أحمر الشفاة، وظهر شعرها الأسود منسدلًا حول كتفيها، وبدت منتعشة على الرغم من قدومها على متن رحلة جوية، إلى نيوأورلينز ليلة الجمعة، وقدمت المغنية الأميركية أداءً جيدًا في الحفلة. واعترفت نيكول عضو لجنة التحكيم في X Factor، أنها تجد "أنستغرام" يضيع الكثير من الوقت، ويمكن أن يسبب انعدام الأمن، مضيفة أن أعمال البوب الحديثة تفتقر إلى الرقي، وتحدثت فتاة فريق The Pussycat Dolls "كنا مجموعة أنيقة وراقية مقارنة بما…
 المغرب اليوم  - الحرفي غزالي بن شريف يكشف أسرار محطاته الفنية

GMT 10:39 2017 الجمعة ,27 كانون الثاني / يناير

كتاب جديد ينشر أسرار "سنوات الرصاص" في المغرب

GMT 09:21 2017 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

حفل توقيع و مناقشة المجموعة القصصية "المواطن أسود"

GMT 22:07 2017 الجمعة ,06 كانون الثاني / يناير

عبد الرحيم كمال يناقش روايته "بواب الحانة" في مكتبة أ

GMT 08:42 2017 الأربعاء ,04 كانون الثاني / يناير

استقراء التاريخ في رواية "زمن الخوف" لإدريس كنبوري

GMT 23:05 2017 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

مناقشة كتاب رحلة في عالم إنسان بالكتب خان 9 كانون الثاني

GMT 21:49 2017 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

مناقشة مسرحية "الجنزير" في مسرح ميامي 24 كانون الثاني
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -

GMT 05:30 2016 الجمعة ,30 كانون الأول / ديسمبر

منى أحمد تكشف عن توقعاتها للفنانين في 2017

GMT 19:47 2017 الأحد ,26 شباط / فبراير

هاتف "نوكيا 3310" يعود من جديد بتحديثات مذهلة
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -
 
 Morocco Today Facebook,morocco today facebook,المغرب اليوم الفيسبوك  Morocco Today Twitter,morocco today twitter,المغرب اليوم تغريد Morocco Today Rss,morocco today rss,rss Morocco Today  Morocco Today Youtube,morocco today youtube,المغرب اليوم يوتيوب  Morocco Today Youtube,morocco today youtube,المغرب اليوم يوتيوب
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib