في الطريق إليّ
آخر تحديث GMT 09:02:20
المغرب اليوم -

في الطريق... إليّ

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - في الطريق... إليّ

نداء عادل
قدرنا الكبير هو أن نتدرب باستمرار على الفقد، و هو ما يجعل الحزن أقل وطأة وأسهل تقبلاً مع مرور الوقت... كان الواقع أطلال ماض قريب وبعيد، اجتمعا في محيط واحد، جعل المشهد منعدم الإتزان، ولم تكن هي ترغب في إضافة الألوان على تلك الأحجار الرمادية من ذاكرتها، لكنها حاولت أن تفعل شيئًا مغايرًا، حاولت أن تضع سورًا حول أطلالها القديمة، بغية أن تفصلها عن البناء الجديد، علّها تنجح هذه المرة بإستكمال البناء وإبعاده عن سور الأشلاء.. مراراً حاولت استنكار حزنها على نفسها، لكن فقد جنينها الأول، الذي رغبت به بطريقة لا تشبه الرغبات الأخرى في حياتها، جعلها تستنكر على نفسها الفرح بخبر إنتظارها الفرحة المقبلة، جعلت منها الكآبة إنسانة غير قادرة على الأمل رغم ما تحاول التشبث به من بواقي حياة. لم يكن ذلك محض صدفة، بل كل ما في محيطها ساهم في صنع تلك الكآبة، تخبطت كثيرًا، وتألمت أكثر، شعرت وكأنها نذرت يوم مولدها للحزن لا للحياة، ألم تكن هي قاتلة والديها؟ تساءلت ولكنها من باب إيمانها بالقدر برّرت لنفسها رغم الصراع واليقين المتعاظمان في روحها أنها لم تكن لتختار دربًا غير دربها الملعون هذا... صدمة تلو الأخرى جعلت من الفرحِ أمراً مستحيلاً عادت بالذاكرة بضع سنين.. في ورشة النجار تعلّمت كيف تطعم الخشب بالصدف، هناك تعلّمت كيف تتحوّل الأشياء الصمّاء إلى جماليات، تغيّر شكل الحياة ومضمونها، أعجبتها الفكرة، لم لا تتحول إلى شيء أصم، وربما أبكم، قد يفقد المرء الحياة بهذا الشكل، ولكنه سيستمتع بطريقته الخاصة بما لديه، فلا يجرحه أحد، ولا يؤذي هو أحد بكلمته، ولا يبقى منه إلا ما يقدّمه من فعل ملموس... كان بين يديها لوح خشبي، بدا لها وكأنه لوح سحري، وهي الجنيّة التي تغيّر معالمه، بدأت برسم الصورة الأولى في ذهنها، وأمسكت بالإزميل وبدأت العمل، نقلت حلمها على الخشب، وتنقلت بين أجزائه وزواياه، حفرته هناك وبدأت تتخيل ألوانه، ترى كل زاوية منه، وكل قطعة من تاريخها تتلاشى في رسمها، نثرت الأصداف، صقلت أطرافها بمبرد ناعم، وكأنها تصقل ذاكرتها، وتختار ما ستبقي عليه من ملامحها. الألوان كثيرة، و هذا اللوح لن يكون باللون الخشبي والصدفي، هذا اللوح سيكون بكل ألوانها، وبدأت تفكر بالألوان، كان وحيها أسود اللون عقيم، دب بها الخوف فتوقفت عن الحلم والكتابة الخيالية، أمسكت بمقود عجلتها الهوائية وانطلقت نحو الغابة على أطراف البلدة،  والوقت على مشارف الخريف، بحثت هناك عن الألوان، ركضت بين الأوراق المتساقطة، وقفزت في أكوامها، رأت الفراشات الملونة، وتذكرت طفولتها، وألبومات الفراش المجفف التي كانت تقتنيها، طمعت في طفولتها، أحبت ذلك الهاجس، تتبعته، حتى تشبعت روحها بالطفولة وألوانها الأمينة، قرّرت أن تمنح لوحتها، أو ذاكرتها، ذاك الطيف، عادت مسرعة نحو الورشة، وبدأت تلوّن القطع الصدفية، لوّنتها بما بقي من ذكريات العمر، لوّنتها بألوان الطفولة، والسعادة، والأمان، لوّنتها بالدفئ الذي كانت تمتلك، وبدأت بتوزيعها على أجزاء لوحها الخشبي. مارست صمتها بابتسام، مارست صممها بتصميم، تخلّت عن نظراتها إلى اللوح بينما تنظر في ذاكرتها للحياة والرسم، ساعات أخرى مرّت، وانتهت من ممارسة السحر على لوحها الأصم، ولحظات مرت حتى أدركت أنَّ الأصم ينطق ببريق الحياة وألوان الفراشات، ونسائم الخريف. أدركت أنها في روحها تمتلك نبضًا قديمًا لم يتوقف بعد. أدركت أنَّ لها في مكان ما طيف من حياة.
almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في الطريق إليّ في الطريق إليّ



GMT 09:13 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 14:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 07:04 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 09:26 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

أزمة الصمت

GMT 09:23 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

لا ترجعي...! :

GMT 13:16 2023 الأربعاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

القلب الممتلىء بالوجع

GMT 08:05 2023 الإثنين ,30 تشرين الأول / أكتوبر

لم يعد مهمّاً بعد اليوم أن يحبّنا أحد

بين القفطان والعباءة إطلالات رمضانية أنيقة مستوحاة من أحلام

دبي - المغرب اليوم
المغرب اليوم - استشهاد ستة فلسطينيين في قصف إسرائيلي على قطاع غزة

GMT 17:53 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شاومي تستعد لهاتف فائق النحافة لمنافسة iPhone Air وGalaxy Edge

GMT 17:07 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 16:31 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كن قوي العزيمة ولا تضعف أمام المغريات

GMT 14:09 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

تبدأ بالاستمتاع بشؤون صغيرة لم تلحظها في السابق

GMT 08:23 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 23:34 2017 السبت ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

تدريبات انفرادية لنيكيز داهو في الوداد بسبب الإصابة

GMT 00:38 2017 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

تقديم جيل جديد من أجهزة ألعاب "أتاري" الكلاسيكية

GMT 09:09 2023 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ترتيب أفضل 30 لاعبا في العالم بجائزة الكرة الذهبية 2023

GMT 11:17 2016 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

2421 طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي في الأردن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib