تشهد مناطق عديدة في المغرب ظاهرة تخريب متعمدَّة لعلامة "تشوير"، فمن النادر أن تجد في القرى البعيدة علامة تشوير لم يتم العبث بمحتواها، سواء بالتخريب الكامل أو الجزئي. ويكون التخريب بتحريف مضمون لوحة أو خدش أو كتابة أسماء باستعمال الصباغة، وأحيانا يتم اقتلاع علامة التشوير بشكل كلي. وكثيرا ما يتم إخفاء محتواها بالمسح التام أو بتشويهه وجعله غير مقروء نهائيا.
وتكون للتخريب خطورة كبيرة عندما يتعلق الأمر بإشارة تنذر بمنعرج وشيك أو طريق خطير، فيتفاجأ السائق الذي يستعمل تلك الطريق لأول مرة، وكثيرا ما تسبب ذلك في حوادث مميتة، سواء بالليل أو النهار.
ولا يتم اقتلاع علامات التشوير بغرض الاستفادة منها مثلا، كما قد نجد في بعض الأماكن حيث يعمد سارقوا اللوحات إلى تحويلها إلى أشياء قابلة للاستعمال اليومي أو بيع أعمدتها الحديدية، لكن أحيانا يتم اقتلاعها وتركها جانبا فقط، كما يتم إحداث ثقوب كبيرة في حيطان تلك الأبراج التي تفصل بعض الجماعات القروية.
وتحدث هذه الظاهرة في العديد من القرى، وربما يتم التعبير عنها في المدن بأشكال أخرى، لكن إذا أخذنا الطريق الرابط بين النقوب وتازارين بإقليم زاكورة أو ذلك الذي يربط بين تازارين وتاغبالت، مثلا، فلا توجد بهما علامة تشوير لم تتعرض للتخريب والخدش بالمسامير والاقتلاع أحيانا.
الفراغ وانتظار وسيلة نقل
كثيرون هم الذين قالوا إن الانتظار الطويل لوسيلة نقل يجعل العديد من التلاميذ يقدمون على مثل هذا السلوك، فالوقت متوفر، لذلك يلجأ هذا أو ذاك إلى نقش لقب أو رمز على اللوحة المعدنية لعلامة التشوير.
ويرى يوسف أخالي أن "هذه السلوكيات منتشرة جدا في المناطق القروية بالخصوص، ربما ذلك راجع للفراغ القاتل والروتين اليومي للطفل القروي حيث لا ملاعب رياضية ولا دور شباب أو ثقافة، والطفل من طبيعته أنه حركي ونشيط لا بد ليديه أن تنشغلا بشيء ما، وفي غياب احتواء وتوجيه هذه الحركية إلى ما هو مفيد من طرف مصالح تربوية، قد يلجأ إلى مثل هذا السلوك".
ويزيد أخالي، وهو أستاذ من منطقة زاكورة، أنه "لا شك أن هذه السلوكيات ستظهر دون أن تثير أي تعجب أو استغراب؛ فهي إلى حد ما هينة بالمقارنة بما نسمعه عن سلوك أجيال ولت كانت تصل بها الجرأة إلى تكسير المحركات وسرقة الحقول وممتلكات الناس، بل تعدت ذلك إلى إشعال للنار أو تخريب للآبار".
ثم يضيف، "هذا التخريب اليوم قَلّ ولله الحمد، فقط أصبح يوجه نحو المؤسسات التعليمية، نلمس ذلك في الكتابة على الطاولات والجدران الداخلية للمرافق الصحية في الكثير من المؤسسات، وهذا شغب طفولي يسهل التحكم فيه".
تعبير عن غضب وحقد
ويرى سعيد صدقي أنه "لفهم هذا السلوك لا بد من وضعه في سياقه الاجتماعي والاقتصادي، على اعتبار أن المناطق التي تعرف هذه الظواهر من المناطق الأكثر فقرا في المغرب".
ويزيد صدقي، الباحث في علم الاجتماع، أن "هذا السلوك تعبير عن غضب وحقد دفينين لكل أشكال المأسسة، فاللوحات التي تعرضت للتخريب والإتلاف قد تبدو في تمثل هؤلاء المخربين غير ذات جدوى، لكونها لا تنسجم وطبيعة الحاجيات الأساسية للمنطقة".
الأطفال والشباب
ويردف صدقي، في حديث لهسبريس، أن "هذا السلوك يصدر غالبا من الشباب والأطفال الصغار، إلا أنه انعكاس لتنشئة اجتماعية مبنية على العداء والرفض لكل أشكال التنظيم، وكأنهم يقولون للجهات المكلفة بوضع هذه اللوحات إنه لا ضرورة لها ما دمنا نعيش في الهامش، وإن التعريف بالمنطقة يجب أن يكون عبر تنميتها".
ثم يضيف المتحدث نفسه قائلا: "كل تخريب للوحة تحدد المسافة المتبقية إلى قرية ما معناه فيما تختزله البنيات اللاواعية لهؤلاء هو اللاحقيقة، لكون المنطقة تبعد بأكثر من عدد الكيلومترات المعلن عنها عن الركب الحضاري للمغرب وللعالم".
ويزيد في السياق نفسه، "أما اللوحات التي تحدد الاتجاه، فتخريبها يريد به الفاعلون أنه ليس هناك من زوار غرباء، نحن مهمشون والمنطقة لا يعرف شعابها الوعرة غير أهلها، فلا داعي للتعريف بها أو توجيه أحد إليها"، على حد تعبيره.
وقد يهمك أيضاً :
شخص يغتصب خمسة اطفال داخل منزله فى الداخلة
ضبط سيارة محملة ب875 كيلوغراما من مخدر الشيراجنوبي المغرب
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر