بريد الليل الأكثر تعقيدًا بين روايات القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية
آخر تحديث GMT 12:07:59
المغرب اليوم -

مضمونها متنوع ومُتشابك في نسيجه الداخلي

"بريد الليل" الأكثر تعقيدًا بين روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر العربية"

المغرب اليوم -

المغرب اليوم -

رواية "بريد الليل"
الكويت ـ المغرب اليوم

تُعد رواية «بريد الليل» لهدى بركات الأكثر تعقيداً من بين الروايات الست التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربية» لهذا العام؛ فالشكل جديد، ومُتشابك في نسيجه الداخلي، والمضمون متنوّع يصعب حصره في «نوفيلا» تتألف من 126 صفحة من القطع المتوسطة. وعلى الرغم من وجود الشخصيات الخمس الرئيسية وبقية الشخصيات الثانوية، فإنها لا تحمل أسماء محددة، كما تدور الأحداث في اللامكان؛ الأمر الذي يضفي تحديات جديدة لصعوبة البنية الروائية التي بدت متماسكة، ومتضامّة إلى أبعد الحدود.

تبدو هذه النوفيلا الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت سُريالية في مضمونها؛ لأن الشخصيات الخمس تعرف سلفاً أن هذه الرسائل لن تصل إلى المُرسَل إليهم، فلقد مَحت الحروبُ العناوينَ، ودمّرت الشوارع، وألغت مهنة ساعي البريد أصلاً. وعلى الرغم من أن هدى بركات لا تحب الرموز، ولا تميل إليها أصلاً، فإن هذه النوفيلا لا يمكن قراءتها واستيعابها بعيداً عن القراءة الرمزية التي تمنح النص السردي بُعداً مجازياً مُطعّماً بالنَفَس السُريالي المُشار إليه سلفاً. فثمة قطيعة بين المُرسِل والمتلقّي وكأن الرسائل لا تنطوي إلا على شيفرات مستعصية لا يمكن فكّ رموزها أبداً، كما أن الغالبية العظمى من أُناس هذا النص السردي لا يُحسنون قراءة روح العصر وتمثّله، والتناغم مع معطيات ثورته الإلكترونية التي قلبت العالم رأساً على عقب.

تقترب هدى بركات كثيراً من أجواء الروائي الفرنسي ألن روب - غرييه الذي يُراهن على تشتّيت الثيمة الرئيسية ويطلب من القارئ أن يُعيد ترتيبها من جديد لأنه يعتقد بفكرة القارئ العضوي الذي يجب أن يشارك في كتابة النص الروائي، فهو جزء حيوي من العملية الإبداعية وليس طارئاً عليها. وفي «بريد الليل» تطالبنا هدى بركات أن نعيد ترتيب الأحداث المتشظيّة وتنسيقها على وفق الرؤية الفنية للقارئ الخلاق.

ولكي نحيط القارئ بمضمون النوفيلا لا بد من إتباع تقنية التبئير التي تسلّط الضوء على الثيمات والأفكار الرئيسية في المتن السردي. فأصحاب الرسائل الخمس هم مهاجرون أو مهجّرون عرب تركوا أوطانهم لأسباب متعددة، من بينها القمع والاستبداد والأنظمة الديكتاتورية المتخلّفة، لكن البعض الآخر قد يهاجر لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية، أو يبحث عن متنفس واسع للحريات الفردية المنفلتة لا يتوفر في معظم البلدان العربية؛ الأمر الذي يدفعهم للهجرة إلى المنافي البعيدة في أوروبا والغرب الأميركي.

تتضمّن الرسالة الأولى التي كان ينوي الابن أن يكتبها لأمه، لكنه في تداخل تقني جميل يحوّل الرسالة إلى حبيبته، ورغم أن المُرسِل لا يمتلك موهبة سرد الأخبار، فإنه ينغمر في كتابتها ما دام أنها ستكون الرسالة الوحيدة في حياته. تنطوي الرسالة على نقاط مهمة، أبرزها وفاة أمه التي وضعته في سن الثامنة أو التاسعة من عمره في القطار، وأخبرته بأن عمه ينتظره في العاصمة. وعندما تموت هذه الأم يشعر بالكآبة والخوف والتخلّي. ثم يجد نفسه منغمساً في المعارضة، لكن المعارضين يعتقدون أنه مشبوه، ومنتفع، وعدائي يجب مراقبته؛ لذا أصبح مفلساً وبلا أوراق رسمية، وعليه أن يقترن بامرأة طاعنة في السنّ كي يحصل على أوراق الإقامة والتجنيس. ثمة رجل من المخابرات يراقبه في البناية المقابلة ويعتقد أن موظف القنصلية الذي رفض تجديد جواز سفره هو الذي أرسله كي يراقبه ويُحصي عليه أنفاسه.

أما الرسالة الثانية، فهي موجهة من امرأة إلى حبيبها، وقد كتبتها عندما عثرت على الرسالة الأولى في دليل الفندق وهي قلقة على صاحبها وتتصور أنه يقبع في السجن بعد أن توهم أن مخابرات بلده تراقبه. تنطوي الرسالة على اعترافات صريحة بأنه يتعاطى المخدرات وأن إقامته غير شرعية فتتعاطف معه، وتشعر بأنها تعرفه وكأنها صديقة قديمة له. وتعتقد بأنها ستجد له أثراً في أحد المقاهي الباريسية التي تجمع الشباب العرب التائهين والهاربين من شيء ما. كما تزدان الرسالة بأفكار جانبية مؤازرة مثل الجار الذي ألقى بنفسه من الطابق الخامس بعد أن ذبحوا ابنه أمام عينيه، وفكرة الضابط النازي الذي يخترق الجمال قلبه فيترك «عازف البيانو» حياً، والفكرة الثالثة هي تماهي المرسلة مع شكل الأب، وحركاته، وطريقة كلامه.

تكتظ الرسالة الثالثة بالأحداث؛ فهي موجهة من ابن إلى أمه يتحوّل من ضحية إلى جلاد فيتعرف عليه أحد الضحايا الجدد ويدعي بأنه عذّبه شخصياً، وهو ينتمي إلى مخابرات النظام. لم يكن تحوّله سلساً فقد اغتصبوه وعذّبوه قبل أن يتعاون معهم، وينفّذ جميع أوامرهم. وبما أنه لا يستطيع البقاء في هذا البلد فقد فكّر في العودة، لكنه ما إن يلتقي بالمرأة الكبيرة سناً، ويشتبك معها في علاقة حميمة لا سبيل للفكاك منها يتورط بقتلها، وتقطيع أوصالها بطريقة بشعة فقد سبق له أن قتل أناساً كثيرين ولن يجد ضيراً في مواصلة القتل بدم بارد.

تتداخل الرسالة الرابعة بين الابن المجرم الذي يخاطب أمه وبين الأخت التي تراسل شقيقها حيث حاول المجرم إخفاء الرسالة التي كتبها إلى أمه قبل أن يصلوا إليه فحشرها بقوّة في جانب المقعد الملتصق بجدار الطائرة يقول فيها بأنه قتل المرأة التي آوته وأراد النفاذ بجلده. أما رسالة الأخت الضمنية فهي تشرح لأخيها قصتها المأساوية وتخبره بأنها تعمل مومساً وتنظّف ستين مرحاضاً قبل الساعة العاشرة صباحاً بعد أن هجرها زوجها، كما تقوم أمها بتزويج ابنتها إلى شخص متحول جنسياً يسيء معاملتها ولا تنقذ ابنتها الوحيدة إلا بشق الأنفس.

 أقرأ أيضًا : 4 روايات فلسطينية تتصدر القائمة لـ "البوكر العربية"

أما الرسالة الخامسة والأخيرة التي يوجهها الابن إلى أبيه بعد أن تحفزّه رسالة امرأة وحيدة ومستوحشة مثله تماماً عثر عليها في خزانته الصغيرة في البار، وهي مثل رسائل أخرى بلا عنوان وبلا إمضاء تعترف فيها المرأة إلى شقيقها المسجون الذي أخفت عنه حقائق كثيرة. وهذه الرسالة التي لم تصل أيضاً تمثل الصوت الذي لم يسمعه أحد منذ البداية وكأن صاحبه ينفخ في قربة مثقوبة. يعترف الابن في خاتمة المطاف بأنه مشرّد، ومريض، ومفلس، ويريد العودة إلى البيت.

تتكشّف الأحداث في الفصل الثاني الذي عنونته الكاتبة «في المطار»، وهو مكان مجهول أيضاً، فنعرف أن أباه قد مات من الإنهاك، وأن أخته تطلّقت وعادت إلى البيت مع ابنتها. وبينما يقبع هو في السجن تزوّر شقيقته الأوراق، وتبيع البيت، ثم تسرق مخدومتها وتقتلها وتتهم الزوج بالجريمة. يعتقد الأخ بأن شقيقته تركت البلد وذهبت إلى جهة مجهولة، لكنه موقن بأنها سوف تعود من أجل ابنتها بعد موت الأم.

يفكر ساعي البريد في الفصل الثالث بالرسائل التي لا تصل إلى أصحابها، وبعد أن يفرغ من قراءتها يصنّفها بحسب تواريخها، ودرجة أهميتها، ثم يكتب رسالته لمن يأتي بعده ويضعها قرب فهرس الرسائل، فلربما يموت قبل أن يصل أحد إلى هذا المكان.

يتوجب على القارئ الآن أن يعيد ترتيب الأحداث التي تجمعت في ذاكرته بعد قراءة هذا النص، ويستنتج الثيمة التي يراها مناسبة لـ«بريد الليل» الذي لن يصل أبداً.

وقد يهمك أيضاً :

الروائي الفلسطيني والمحرر في "الشرق الأوسط" ربعي المدهون يفوز بجائزة البوكر العربية

"البوكر العربية" تكشف عن قائمتها الطويلة لدورتها الـ11 وتضم 16رواية

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بريد الليل الأكثر تعقيدًا بين روايات القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية بريد الليل الأكثر تعقيدًا بين روايات القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية



بعد يوم واحد من ظهورها بالساري في مطار كوتشي الدولي

ملكة هولندا في إطلالة أنيقة باللون الوطني في زيارتها إلى الهند

نيوديلهي - المغرب اليوم

GMT 03:38 2019 الإثنين ,21 تشرين الأول / أكتوبر

تصنيف يضع "مراكش" ضمن أرخص الوجهات في الشتاء
المغرب اليوم - تصنيف يضع

GMT 00:52 2019 السبت ,19 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على روعة "الجبس المغربي" وامنحي منزلك نكهة عربية
المغرب اليوم - تعرفي على روعة

GMT 02:51 2019 الإثنين ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أبوظبي تفوز بجائزة أفضل وجهة سياحية في الشرق الأوسط
المغرب اليوم - أبوظبي تفوز بجائزة أفضل وجهة سياحية في الشرق الأوسط

GMT 03:34 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان خريف وشتاء 2020 تمنح ديكور منزلك لمسة عصرية
المغرب اليوم - ألوان خريف وشتاء 2020 تمنح ديكور منزلك لمسة عصرية

GMT 20:27 2019 السبت ,19 تشرين الأول / أكتوبر

الجماهير المغربية تهاجم خاليلوزيتش

GMT 21:02 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

السويد تُكرم إبراهيموفيتش بـ "تمثال برونزي" في مالمو

GMT 06:52 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

جوزيه مورينيو يؤكد لم أحلم بالتدريب عندما كنت صغيرًا

GMT 21:58 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كرستيانو رونالدو يُلمّح إلى موعد اعتزاله كرة القدم

GMT 20:49 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 02:29 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

مجدي بدران يكشف عن مخاطر الديدان الدبوسية

GMT 04:44 2015 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

شركة ألعاب "إيرفكيس" الشهيرة تطلق ألعاب خاصة للفتيات

GMT 00:45 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

بدر بانون وجواد الياميق يلتحقان بتدريبات الرجاء

GMT 16:18 2018 الخميس ,13 أيلول / سبتمبر

إصابة سائق دراجة نارية إثر حادث تصادم في أغادير

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

السلطات المغربية تلقي القبض على جزائري مطلوب لدى الأنتربول

GMT 05:02 2017 الثلاثاء ,17 كانون الثاني / يناير

الرؤساء الذي تعاقبوا على مجلس النواب منذ 1963

GMT 08:38 2018 الأحد ,09 أيلول / سبتمبر

شاب يطعن عشريني ويسقطه قتيلًا في فاس

GMT 21:10 2018 الأربعاء ,29 آب / أغسطس

مايكروسوفت لن تقبل تطبيقات ويندوز 8 الجديدة
 
almaghribtoday

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib