من يراهن على تغيير في إسرائيل في ضوء الانتخابات المتوقّعة في27 تشرين الأوّل – أكتوبر المقبل، إنّما يراهن على سراب. بوجود بنيامين نتانياهو أو غيره على رأس الحكومة الإسرائيلية ستبقى هناك سياسة عدوانية ولدت من رحم “طوفان الأقصى”. صحيح أنّه توجد حاليا ضغوط أميركيّة تمنع الدولة العبرية من الذهاب إلى ضرب إيران مباشرة، لكنّ الصحيح أيضا أنّ إسرائيل تتابع سياستها العدوانية في جنوب لبنان، وإن في حدود معيّنة، بعدما وفّر لها “حزب الله” كلّ المبررات التي تسمح لها بذلك. العربوشعوب الشرق الأوسط
كلّ ما في الأمر، في حال فشل “بيبي” في تشكيل حكومة أخرى بعد الانتخابات أنّ إسرائيل ماضية في تصلّبها. ستبقى الدولة العبريّة سي مرحلة ما بعد السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 يوم شنت “حماس” هجوم “طوفان الأقصى” الذي أدّى، بين ما أدّى إليه، إلى تدمير غزّة وإلى سقوط النظام العلوي في سوريا وفرار بشّار الأسد إلى موسكو التي سيصعب عليه العودة منها إلى دمشق يوما.
غيّر “طوفان الأقصى”، الذي وقف خلفه يحيى السنوار الذي ما لبثت إسرائيل أن اغتالته، المنطقة كلّها. لم يقتصر التغيير على سوريا التي خرجت من الهيمنة الإيرانيّة، بل شمل ذلك لبنان. بات على لبنان القتال على جبهتي إسرائيل وإيران، ممثلة بـ”حزب الله”. عادت إسرائيل إلى جنوب محتلة كقوة احتلال في ظلّ التواطؤ الإيراني – الإسرائيلي الذي يعاني منه يوميّا.
كان اغتيال حسن نصرالله وعدد كبير من المحيطين به، أي معظم قياديي الحزب البارزين نقطة تحوّل على الصعيد اللبناني. استطاع لبنان، أخيرا، انتخاب رئيس للجمهوريّة هو العماد جوزف عون الذي كان مرفوضا من “حزب الله”. كان الحزب مصرّا على فرض مرشحّه رئيسا للجمهورية على غرار ما حصل في العام 2016. وقتذاك، أوصل حسن نصرالله ميشال عون، مع صهره جبران باسيل، إلى قصر بعبدا كي يؤكّد أن لبنان صار ورقة إيرانية وأن لبنان صوت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في داخل جامعة الدول العربيّة.
إسرائيل بعد طوفان الأقصى أسيرة عقدة وجودية لا تغيّرها الانتخابات ولا تبدّلها القيادات إذ بقيت سياساتها العدوانية محكومة بالخوف من إيران وحزب الله
لن تتغيّر إسرائيل بأي شكل، بغض النظر عن بقاء نتانياهو رئيسا للوزراء أم حلّ مكانه شخص آخر مثل غاد إيزنكوت، الرئيس السابق للأركان في الجيش الإسرائيلي. إلى اشعار آخر، لن تتمكن إسرائيل من الخروج من عقدة “طوفان الأقصى”، وهي عقدة لم يفهم حسن نصرالله ما الذي تعنيه عندما اتخذ قرارا بفتح جبهة جنوب لبنان رافعا شعار “اسناد غزّة” في اليوم التالي لـ”طوفان الأقصى”. لم يستوعب نصرالله بثقافته المحدودة وجهله بإسرائيل ماذا يعنى “طوفان الأقصى” الذي كانت نتيجته مقتل مئات الإسرائيليين واليهود في مستوطنات غلاف غزّة واحتجاز “حماس” لعشرات الرهائن. الأكيد أن حسن نصرالله كان يتمتع بدرجة ذكاء سياسي أكبر بكثير من درجة ذكاء خليفته نعيم قاسم. على الرغم من ذلك، ارتكب كلّ الأخطاء التي يمكن ارتكابها في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى”.
توجد فكرة واحدة تتحكّم بإسرائيل في الوقت الحاضر. تقوم هذه الفكرة على التخلّص من كل التفاهمات التي كانت قائمة قبل “طوفان الأقصى”، بما في ذلك “قواعد الاشتباك” بين الدولة العبريّة و”حزب الله”. إلى ذلك، سقطت كل التفاهمات مع إيران وغير إيران. كانت إسرائيل تغض الطرف عن الدعم الإيراني لـحماس. كان ذلك يساعد في تثبيت أن لا فائدة من أي مفاوضات مع الفلسطينيين، خصوصا أنّ “حماس” راحت تطلق الصواريخ من غزّة في اتجاه مناطق إسرائيليّة. أكثر من ذلك، كانت “حماس” ترفع شعارات من نوع “تحرير فلسطين من البحر إلى النهر” أو “فلسطين وقف إسلامي” مع ما يعنيه الأمر من رفض لوجود الدولة العبريّة وإصرار على إزالتها من الوجود.
لم تعترض إسرائيل على حصول “حماس” على مساعدات ماليّة من قطر وغيرها ما دام ذلك يكرّس الانقسام الفلسطيني ويعمّقه. لكنّ “طوفان الأقصى” غيّر المجتمع الإسرائيلي الذي بات يعرف أن الدولة العبريّة في قلب معركة ذات طابع وجودي محورها إيران التي استطاعت إسرائيل نقل الحرب إليها. العربوشعوب الشرق الأوسط
تأخرت “حماس” طويلا في تقديم أوراق اعتمادها للإدارة الأميركيّة. لن يفيدها ذلك في شيء ما دامت إسرائيل تعاني من عقدة “طوفان الأقصى”. ما لا بدّ من ملاحظته أنّ قدرة الإدارة الأميركيّة على الضغط على إسرائيل تتضاءل مع مرور الوقت، فيما يظلّ الثابت الروح العدوانية الإسرائيلية التي اعتمدت منذ “طوفان الأقصى”.
اغتيال قيادات بارزة وتحوّل لبنان إلى ساحة مزدوجة للصراع كشف أن إسرائيل فقدت التفاهمات السابقة وأصبحت أكثر تصلبًا فيما تتضاءل قدرة واشنطن على الضغط
ستتغيّر الولايات المتحدة ولن تتغيّر إسرائيل. سينعكس ذلك من دون شكّ على الوضع في لبنان حيث تمارس إسرائيل التصعيد في الجنوب. ليس معروفا إلى أي حدّ ستذهب الدولة العبرية في تصعيدها وهل سيشمل ذلك اجتياح النبطية وضرب أهداف في الضاحية الجنوبيّة أيضا؟
لن تغيّر الانتخابات الإسرائيلية الكثير في تلك الدولة. ما سيتغيّر بعد الانتخابات النصفية الأميركيّة في تشرين الثاني – نوفمبر المقبل قدرة إدارة دونالد ترامب على ممارسة ضغوط على رئيس الحكومة الإسرائيلية أكان ذلك “بيبي” أو غيره. يتمثّل الثابت حاليا في سياسة إسرائيلية أكثر عدائية من أي وقت فيما نجد امامنا إدارة أميركية تعيش حال ضياع أكثر من أي وقت.
كشف الضياع اجتماع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر بممثلين لـ”حماس” في القاهرة. ما الذي سيؤدي إليه ذلك الإجتماع في غياب القدرة على انتاج استراتيجية إسرائيلية بديلة من عقدة “طوفان الأقصى” واكتشاف أن إيران، بنظامها الحالي، دولة لا يمكن، من وجهة نظر الدولة العبريّة، التعايش معها؟ الأكيد أنّ إسرائيل ليست في وارد اعتماد إستراتيجية بديلة ما دامت الولايات المتحدة عاجزة عن توضيح موقفها من إيران وكيفية التعاطي معها.
يبدو الضياع الأميركي مرشّحا للاستمرار في الشهور القليلة المقبلة. سيظلّ الوضع في لبنان يراوح مكانه في غياب قدرة على الذهاب بعيدا في الذهاب إلى بعيدا في معرفة ما تريده الدولة العبريّة وما تصورها لجنوب لبنان مستقبلا…