الدستور ليس مقدّسا، لكن تعديله لا يعني العودة إلى الوراء

الدستور ليس مقدّسا، لكن تعديله لا يعني العودة إلى الوراء

المغرب اليوم -

الدستور ليس مقدّسا، لكن تعديله لا يعني العودة إلى الوراء

احمد عصيد

في اللقاء الدراسي الذي نظمه فريقا حزبي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال بالبرلمان يوم الثلاثاء 27 ماي 2014، حول "الحقوق اللغوية والثقافية والتحديات المطروحة"، سمعت من دعا إلى التراجع عن بعض مكتسبات الأمازيغية في دستور 2011، معتبرا أن "الدستور ليس مقدسا وهو قابل للتعديل"، وينبغي التنبيه إلى أن هذا يعكس مقدار التفاوت الكبير بين أعضاء النخبة السياسية والثقافية في فهمهم لمعنى الديمقراطية أولا، ولتقديرهم لما فيه مصلحة البلاد ثانيا.
أن يكون الدستور وثيقة مدنية نسبية غير مقدسة وقابلة للتعديل فهذا مما لا شك فيه، ما دامت النصوص المقدسة نفسها عرضة للتأويل والتفسير بل وحتى للتعطيل بسبب ضرورات الوقت، والأمثلة على ذلك تفوق الحصر. لكن الذي أخطأه هؤلاء ولم ينتبهوا إليه هو أن تعديل الدستور، يخضع لمنطق التطور والتراكمات الإيجابية ومنطق التحديث والدمقرطة، وليس لمنطق النكوص والتراجع والميز، ومن تم وجب التأكيد على ما يلي:
ـ إن ما أقره دستور 2011 من مكتسبات كان هدفه تخفيض التوتر والاحتقان في الشارع المغربي، وتجديد شرعية الحكم، وبعث الثقة في النفوس في إمكان التغيير ولو تدريجيا وبشكل سلمي، ومن تم فمن يلهو بالعبث بمكتسبات القوى الديمقراطية يظهر مقدار استهتاره باستقرار ووحدة هذا البلد، من أجل الانتصار لحزازات إيديولوجية لا قيمة لها بتاتا.
ـ أن الأمازيغية ظلت على مدى خمسين سنة عرضة للتهميش والإقصاء من المؤسسات بذرائع وتبريرات شتى، تبين فيما بعد أنها لم تكن وجيهة ولا قائمة على أساس متين، مما أدى إلى تراجعها أمام القرارات الحازمة التي لم يكن منها بدّ لضمان الاستقرار والمضي قدما في طريق البناء الديمقراطي الصعب والشائك.
ـ أن سعي بعض المثقفين ـ الذين عزلوا أنفسهم عن دينامية التغيير والتحولات المتلاحقة ـ إلى الإبقاء على الأمازيغية تحت وصاية المنظومة الثقافية العربية نابع من عدم الإيمان بالتعددية الفعلية وبالحق في الاختلاف الثقافي، كما أنه نابع من الشعور بهشاشة وضعية الثقافة العربية رغم كل الإمكانيات التي حظيت بها منذ الاستقلال، وذلك بسبب ارتباطها ببنيات الاستبداد من جهة، وبالتراث الديني التقليدي الذي ما فتئ يشدّ اللغة والثقافة العربيتان معا إلى الوراء ويعرقل مسلسل تطويرهما وتحديثهما.
ـ أن اعتبار نهضة مكون من المكونات الوطنية تهديدا حتميا لمكونات أخرى، واعتبار كل عمل واشتغال على لغة أخرى غير العربية عداء لهذه الأخيرة وكيدا لها، هو أسلوب غريب في التفكير يتسم باللاوطنية وبانعدام المسؤولية، ولا يهدف إلى أكثر من شرعنة التهميش والإقصاء وتكريسهما.
ـ أن الاستمرار في الزعم التقليدي بأن النقاش في موضوع التعددية اللغوية والثقافية مدعاة للتناحر والصراع وتهديد الوحدة الوطنية هو أشبه بمن يسعى إلى استعمال بطارية مستهلكة حدّ النفاذ، كما يعبر عن أسلوب في التفكير لا تاريخي ولا واقعي، لأنه لا يراعي التراكمات والمكتسبات التي تحققت، والتي جعلت المغرب يتبوأ الصدارة في التدبير السلمي للتعدد الثقافي واللغوي، فهو البلد الوحيد اليوم في كل شمال إفريقيا والشرق الأوسط الذي يعترف بلغتين في الدستور، بينما ما زالت الدول الأخرى غارقة في الصراعات وأشكال التناحر بسبب النزعات الفاشية اللغوية والدينية والثقافية، والتي تعرقل وجود أي حوار وطني جاد ومسؤول.
ما زال أمامنا طريق طويل علينا أن نحتكم فيه إلى العقل والحوار والتواصل فيما بيننا، والاستماع إلى بعضنا البعض في إطار الاحترام المتبادل، وليس إلى الحجر والوصاية وسوء الظن بالناس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدستور ليس مقدّسا، لكن تعديله لا يعني العودة إلى الوراء الدستور ليس مقدّسا، لكن تعديله لا يعني العودة إلى الوراء



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib