الحق أنطقها

الحق أنطقها!!

المغرب اليوم -

الحق أنطقها

رشيد مشقاقة

بيننا قاضية أبدت رأيها في شأن مهني، والقاضيات لهن مكانة خاصة لدى الملك، إذ كن يؤدين يمين القضاة أمام جلالته، لا أمام زملائهن، وهو مكسب كان يجب على مشروع القانون التنظيمي الحفاظ عليه لدلالته القوية.

قال لنا الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه: «القاضيات منكم أكثر استقامة وتفان في العمل»، وعلى منواله أعْلَى الملك محمد السادس شأنهن بدستور المملكة.

لم يبالغ الملكان، فبيننا قاضيات مثابرات، مواظبات، لا يتخلفن أبدا عن جلساتهن.

وبيننا قاضيات حوامل يشاركن بأجنتهن في نصاب الجلسات والمداولات، ومنهن من يفاجئها المخاض فتنتقل من محكمتها إلى مستشفى الولادة رأسا!!

وبيننا قاضيات أرامل اختطفت يد المنون أزواجهن في مقتبل العمر، فتحملن عبء أسرهن، وتنقلن بين مدارس أبنائهن ومقار عملهن بانتظام!!

ولدينا قاضيات مريضات، يدارين المرض كي لا يخلفن مواعيد الجلسات، ولا يقدمن الشواهد الطبية جزافا، إلا إذا تفاقم الداء وعجز البدن فعلا عن العمل، ومن بينهن من اقتطع من أجرها وهي مصابة بكسر، فما اشتكين ولا تظلمن !!

واشتغلت معنا بالإدارة المركزية قاضيات يتأخرن بالوزارة إلى الهزيع الأخير من الليل أثناء إعداد الدراسات، وأزواجهن ينتظرونهن بمرآب السيارات، يرغون ويُزبدون، واشتغلن معنا بمنازل المديرين خارج أوقات العمل وأيامه لإعداد المشاريع والمقترحات.

ولنا قاضيات فقيهات، متمكنات من مهنتهن أشد تمكن، يشرفن بلدهن داخل المغرب وخارجه، ويمثلنه أحسن تمثيل، ومنهن من سُرِقت مؤلفاتهن وأثرى المستفيد من عائداتها ونسبها لنفسه ولم يحركن ساكنا !!

أمثال هذه الفئة يخشى منها الوزير أو البرلماني أو المستشار إن هي أبدت رأيها فيما تعتقده ونعتقده بالإجماع مشروعا لا يخدم المصلحة القضائية على الوجه الأكمل.

أفلم يكن من باب الرشد والصواب والتريث استمهال الخطى حتى لا يستفز القضاة باستعجالها؟ ألا يبلغ السيل الزبى متى أغلق الباب؟ وكيفما كانت الألفاظ المستعملة في التعبير عما يجيش بالصدور، فهي لن تصل ولو بالنزر اليسير إلى المستوى الهابط الرديء الذي نسمعه في بعض النقاشات العمومية المصحوبة بتشابك الأيدي والأسنان والألفاظ البذيئة بدون خجل!!

استعملت القاضية القياس، والعبرة بالمعاني لا المباني، وإني لأسأل: في ماذا هددت القاضية المشتكين؟ فهم ليسوا متقاضين مفترضين أمامها يخشون على حقوقهم من الضياع، والمعنى في الكلام لا يخرج عن تشبث القضاة بمكاسبهم واستقلالهم وكرامتهم التي يضمنها ملك البلاد بالدستور. فأين الخلل؟

إذا كانت لدينا قاضيات بهذا المستوى، فهناك في المقابل فئة من الذكور تأكل الثوم بفم بعضها البعض، تدفعها نحو الأذى وتنسل ثاوية كالشعرة من العجين، وفي هذا هي تشبه تماما شاعر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حسان بن ثابت، الذي كان يُباهي بشجاعته شعرا باسلا مقداما، فلّما استنجدت به النساء ومنهن زوجة النبي «ص» لاذ بالفرار فأجهزن – هن لوحدهن – على الكافر المُعتدي!!

أشباه حسان بن ثابت كثر بيننا، ينطبق عليهم قول نجيب محفوظ: «الثورات يصنعها المفكرون، وينفذها الشجعان، ويستفيد منها الجبناء». لذلك قد تصاب بالجنون عندما يزعجك قاض يطلب نشر أفكاره، فإذا اقترحت عليه أن تذكر اسمه تولى هاربا!!

القضاة الدبلوماسيون، الصامتون بكل اللغات المفترض فيهم أنهم الخصم والحكم، وأنَّهم جسم قضائي واحد، إذا مس الضرر عضوا منه تداعت له باقي الأعضاء بالسهر والحمى، سيذكرون ومعهم السيد الوزير والمشتكون إن وجدوا، أن صوت مظلومة ارتفع أمام القاضي، فَهمَّ الحاجب بطردها وتكميم فمها، فانتفض القاضي وقال قولته المشهورة: «دعها تتكلم فالحق أنطقها»!!

لم تَرتش القاضية، ولم تخلف مواعيد جلساتها، ولم تحد عن التجرد والاستقلال وفق دستور المملكة الحالي، بل هي تدافع عن مكانتها اللائقة بها، كما اقتضاها ملوك البلاد، خلفا عن سلف، فهل نملك نحن أكثر مما يملكه الملوك؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحق أنطقها الحق أنطقها



GMT 11:38 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة

GMT 11:38 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 11:36 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب يستعيد العراق من إيران…

GMT 11:35 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

الخدمة الأخيرة التي تستطيع "حماس" تقديمها!

GMT 09:07 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

جريمة في حديقة

GMT 09:05 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

سر الملكة إياح حوتب

GMT 09:03 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ذعرٌ من الخصوبة

GMT 09:01 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

رؤية أخلاقية للسياسة الخارجية الأميركية

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 18:39 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 07:11 2025 الجمعة ,17 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 17 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 17:27 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 06:47 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

أحمد سعد يرفض الظهور في "مساء dmc" بسبب 250 ألف جنيه
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib