أقلام

أقلام!!

المغرب اليوم -

أقلام

رشيد مشقاقة

الأقلام التي تتصدر واجهة مكتبك معظمها فارغ، نحن لا ندري لماذا نحتفظ بها، وقد ذكرتني هذه الملاحظة ببطل رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل»، فقد اقتحم مكتب رئيسه هائجا ومحتجا عن عدم الرد على طلب استقالة تقدم به، فأمدّه الرئيس بورقة فارغة ليس بها حرف واحد، ليتبين أنه كتبها – تحت تأثير استهلاك المخدرات – بقلم فارغ تماما من المداد!!
أقلامنا نحن، كذلك، تكتب من فراغ أو عن فراغ في فراغ !!
فالكتبة من فراغ كُثر ولله الحمد، وأقلامهم تتناول ما ليس لهم به دراية، في القانون والأدب والفكر. عموما تتصدر القائمة جوقة من يستأجرون الأقلام لتكتب لهم، وإن هم كتبوا بأنفسهم أضاعوا المداد في ما لا طائل فيه. وقد سخّر أحد أساتذة الحقوق قلمه لكتابة رسائل الدكتوراه لمن يدفع ثمنها، وتولى الناجحون من فراغ بهذه الوسيلة مناصب يلهج بذكرها الركبان. ولم يخف الكاتب الكبير أنيس منصور تلك الواقعة التي أقدم فيها هو والثنائي إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي على كتابة رواية لسيدة استغلت نفوذ زوجها، فأصبحت بها رائدة مزورة من رواد القصة!!
أما الكتبة في الفراغ فَحَدّث بِلا حرج!!
حديث الصباح والمساء عن الرياضة والتسلية والجنس والطبخ والمسابقات ومحاورات أهل الفن ممن يرتدون سراويل الجينز الممزقة، ويحدثون خريطة المنفلوطي برؤوسهم لا تكاد تنتهي، والجرائد والدوريات والمجلات المتخصصة في هذا الباب لا حصر لها، وقد دأب ولازال أحد الكتبة من هذا الفصيل ينبش في سيرة أهل الفن والتصاقه بهم حتى انزعج منه الراحل عبد الحليم حافظ وقال: «إنني لا أعرف هذا الرجل الذي يدعي صداقتي»!!
كوكبة الكتبة من هذا الفريق تَتَحَّول في لمح البصر وبدون سابق تأهيل إلى أطباء نفسانيين وبياطرة وصيادلة وهلم جرا. فهم رواد تزجية الوقت بامتياز.
وهناك الكتبة في الفراغ وهم أصناف، فريق يستغل فراغ الهامش وفراغ خانات التنقيط لِيُضَّمِن بها نظرياته العجيبة الغريبة عندما ينزوي عن العالم ليفجر غيظه وحقده وجسده وينال من ذمم وأعراض وشرف الناس، وهو فريق يجيد النفاق والكذب والخداع حتى يستدر رضا المحيطين به، ليستعمل قلمه في الخفاء للإيذاء والبتر بدل البناء!!
وفريق من هذا الفصيل يَسْتَغِلُّ فراغ أوراق الامتحانات ومباريات التوظيف بتواطؤ مع الكسلاء للظفر بأعلى النقاط. وقد تعرض صاحبي أستاذ الأدب لهجوم شرس عندما اكتشف أن ورقة الطالبة الحسناء الفارغة مُلئت بغير خط يدها وحصلت على ميزة، وكاد بموقفه الشجاع يقضي على مستقبله المهني!!
ولعل أخطر الأقلام هي هذه التي يُمْلَى عليها ولا تكتب عن قناعة وثبات، تبدي آراءها في الناس بالسوء حفاظا على مركزها واعتقادا منها أن دوام الحال من غير المحال، وقد استنجد أحد الأطر القضائية لمّا اقترب أجله بزميل له قائلا: «أرجو إذا ما التقيت القاضي فلان أن تطلب منه أن يسامحني عمّا كتبته عنه ظلما وبناء على أمر صارم»!!
وقد سامح القاضي المظلوم القاضي الذي انتقل إلى عفو الله، وهناك نماذج كثيرة متعددة، ظالمة، قاسية سيأتي الوقت المناسب للحديث عنها، وتحضرني منها واقعة ذلك القاضي المواظب الذي أَصَرَّ أحدهم على نقله بعيدا عن أهله، وكاد يبلغ نزوته لولا أن أحد القضاة الشرفاء رفض ذلك ونجا المسكين، وزميله الذي لازال لغاية كتابة هذه السطور يتساءل بمرارة عن سبب نقله زمناً إلى مدينة لجنوب المغرب.
أقسم الله عز وجل بالقلم الذي تكتب به الملائكة والناس وقال جل علاه: «ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4)» (صدق الله العظيم).
أسوأُ الأقلام هي أقلام منتصف الليل، التي تكتب في الظلام الدامس وتُؤذي ضحاياها، فهل يتعظ المذنبون!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أقلام أقلام



GMT 15:38 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

فكرة يحملها الوزير بدر

GMT 15:33 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

الحوار والمشروع العربى (2- 2)

GMT 15:30 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

الأصمعي مبلبلاً

GMT 15:24 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

الحرب الإيرانية و«الاستذكاء» الاصطناعي!

GMT 15:14 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

إيران ومعضلة تغيير النظام

GMT 22:08 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

ويحزنون

GMT 22:06 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

الاستسلام دون قيد ولا شرط ؟!

النيود عنوان الترف الهادئ لإطلالات عيد الفطر بإلهام من النجمات

الرياض - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 18:55 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تمرّ بيوم من الأحداث المهمة التي تضطرك إلى الصبر

GMT 09:54 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

قانون الإفلاس... ولادة متعسرة

GMT 12:25 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 04:47 2020 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

إليك أبرز تصاميم الأثاث المودرن لتجديد غرفة المعيشة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib