الحضارة بين العلم والفلسفة أو التقنية والإدارة

الحضارة بين العلم والفلسفة أو التقنية والإدارة

المغرب اليوم -

الحضارة بين العلم والفلسفة أو التقنية والإدارة

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

 

 

التحديث التقني أو الإداري لا يعنِي التَّقدمَ الحضاريَّ، هذه حقيقةٌ من السهل الوصول إليها عبر تأمل الواقع المعيش، لا أقلّ ولا أكثر، ففي عالمنا اليوم دولٌ متعددةٌ ومجتمعاتٌ متباينة تمتلك كل المنتجات الحديثة، من وسائل وأدوات ومخترعاتٍ ماديةٍ وغير ماديةٍ، ففي كل منزلٍ جهاز تلفاز، يستقبل قنوات العالم عبر الأقمار الاصطناعية، وبداخله منصات متعددة للبرامج والدراما، وفي كل يدٍ هاتفٌ جوال متصل بالإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، وعشرات المنتجات والمخترعات الحديثة، والحديثة جداً، فهل هذه تعني الحضارة؟

بالتأكيد لا، لأنَّ وجودها في كل منزلٍ، ولدى كل شخصٍ، دليلٌ على نمطٍ استهلاكي عالٍ، ومنتجاتٍ تلبي الطلب حسب الملاءة المالية لكل فردٍ، ويصح هذا في تطور الفكر الإداري لأي مؤسسةٍ عامةٍ أم خاصةٍ، فثمة شركاتٌ ناجحةٌ نجاحاً مبهراً خرجت من رحم مجتمعات لا تنتمي للعالم الأول حضارياً، والأمثلة كثيرة، فما الذي يصنع الحضارة؟ وكيف يمكن الحكم على مجتمعٍ أو دولة ما بأنَّه متحضرٌ، أو أنَّها متقدمة؟

مع الاعتراف بحجم ضخامة السؤال، إلا أن تلمّس الإجابة عنه ممكن، أقله في الخطوط العريضة والزوايا البارزة للنظر، والإجابة تكمن في العلم والمعرفة، وفي الفكر والفلسفة، وما يتفرع عنها وهو كثيرٌ، فالعلوم لا تُحصى تشعباً وتوسعاً وتنظيراً، وهي تعتمد على اكتشاف الحقائق والبناء عليها، واكتشاف المجهول من المعلوم، والخلوص من المقدمات إلى النتائج، وتحويل التجربة إلى خبرةٍ، ونشر المعرفة عبر التعليم والمهارات عبر التدريب، وهكذا في تفاصيل لا تنتهي.

أمَّا في الفكر والفلسفة فالمجال أرحب وأوسع، وأكثر إثارةً للجدل، وتدخل فيه أنواعٌ من العلوم الحديثة، مثل العلوم الإنسانية كالأنثروبولوجيا، والعلوم الاجتماعية كعلم الاجتماع وعلم النفس وغير ذلك من العلوم، أمَّا الفلسفات الكبرى ومدارسها القديمة والحديثة فهي مجالٌ مفتوحٌ دائماً على التطور ما دام البشر يتطورون، وبقدر ما تكون المجتمعات منفتحةً على العلم والفلسفة وطرح الأسئلة المستحقة والتفتيش عن الإجابات المقنعة، تنال نصيبها من الحضارة والتقدم.

مَن يعتقد، من فردٍ أو مجتمعٍ أو دولةٍ، أن الحضارة مجرد منتجاتٍ ماديةٍ يمكن اقتناؤها فهو قابعٌ في ظلام الجهل، وغارقٌ في وهاد التخلف مهما امتلك منها، ومن يحسب أن الأساليب الإدارية وحدها قادرةٌ على الرقي بالمجتمعات والدول دون فلسفةٍ وفكرٍ وتنظيرٍ فإنما يرسم طريقاً منظماً للجهل والتقهقر الحضاري، وإنما بالعلم والفلسفة تبنى الحضارات.

مَن يقرأ التاريخ يعلم جيداً أن انتقال الحضارات من ثقافة إلى ثقافةٍ، ومن أمةٍ إلى أخرى، لا يسير سيراً حثيثاً، بل يأخذ وقته قروناً من الزمن، والحضارة الحديثة اليوم خير مثالٍ، فهي إنما أصبحت كذلك في أوروبا والغرب، لأنها اكتنزت معارف وفلسفات الحضارات السابقة، وكانت لها في التاريخ مسيرةٌ ممتدةٌ على مدى ثلاثة قرونٍ، من عصر النهضة إلى عصر الأنوار، إلى العصر الحديث.

يخلد التاريخ أفراداً امتلكوا العلم والفكر حسب لحظاتهم التاريخية التي يعيشونها، ففي أوج الحضارة العربية أو الإسلامية كانت الأسماء كثيرةً، مثل ابن سينا والبيروني في المشرق وعشرات غيرهما، وحين بدأت هذه الحضارة الأفول كان ابن رشد في المغرب ينشر العلم والفكر، اللذين رفضهما مجتمعه وتلقاهما تلاميذه في حضارة أخرى كانت في بداية تشكلها في أوروبا.

كان تلاميذ ابن رشد يأتون لتلقّي العلم والفكر في الأندلس من ممالك أوروبا، ومن علية القوم فيها، وقد حملوا علمهم وفكرهم لتلك البلدان، وواجهوا رفضاً قوياً داخل مجتمعاتهم، وبالذات من الكنيسة التي كانت تمثل الفكر الديني، ولم تنِ الكنيسة في حربها لهم، ولكن العلم قويٌ بنفسه، والفكر يفرض شروطه على المجتمعات المقبلة على النهوض الحضاري، وانتصر العلم هناك، وهزمت الكنيسة عبر رموزٍ للعلم الديني والفلسفي، وعبر ملوكٍ وفَّروا الحماية لهؤلاء العلماء والمفكرين، حتى استوت هذه الحضارة على سوقها، وما زالت حتى اليوم تقود العالم.

الفرد لا يستطيع منافسة المؤسسة لأنَّها أقوى منه ما لم تدعمه مؤسسة أخرى أو أقوى، ولولا الأمير فريدريك الثالث لما استطاع مارتن لوثر ترجمة الإنجيل من اللغة اللاتينية إلى الألمانية الدارجة في وقته، ولكن حماية الأمير له مكَّنت فكره من الانتشار، ومواجهة المؤسسة الكنسية المتسلطة، والأمثلة كثيرةٌ.

أخيراً، فالذي يلاحق تطورات الأحداث اليومية سياسياً واجتماعياً وإعلامياً دون تأسيسٍ علميٍ وفلسفيٍ يصبح فريسة سهلة لـ«التفاهة الممنهجة».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحضارة بين العلم والفلسفة أو التقنية والإدارة الحضارة بين العلم والفلسفة أو التقنية والإدارة



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 05:55 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها
المغرب اليوم - تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2020 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

التشريح الطبي يحدد سبب وفاة الطفلة "غزلان" في آسفي

GMT 00:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

ظافر العابدين يؤكد أنه لن يخوض سباق رمضان 2019

GMT 14:50 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

توقيف شاب سرق "معزة" من امرأة قروية في بني ملال

GMT 06:38 2018 السبت ,30 حزيران / يونيو

مجدي عبد الغني ينفي.. وبوابة أخبار اليوم تتحدى

GMT 13:29 2016 السبت ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شركة مرسيدس تكشف النقاب عن E63 و E63 S

GMT 08:14 2021 الخميس ,13 أيار / مايو

Tab 9من بلاك فيو تابلت بمواصفات لاب توب

GMT 02:36 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر الدرهم المغربي مقابل الجنيه المصري الخميس

GMT 12:52 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

السيسي وثورة بيضاء على إعلام "الثرثرة"

GMT 07:41 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

الاعلامية ماجدة القاضي تحب العمل في التليفزيون المصري

GMT 08:29 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

نغم منير تطلق تصميمات غير تقليدية من "الكيمونو"

GMT 11:37 2017 الثلاثاء ,08 آب / أغسطس

توقعات أحوال الطقس في كلميم الثلاثاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib