الجامعات في مأزق

الجامعات في مأزق!

المغرب اليوم -

الجامعات في مأزق

آمال موسى
بقلم : د. آمال موسى

من الخصائص البنيوية للحقل الجامعي أنه يظل دائماً حيزاً محافظاً وشاهق الأسوار، نادراً ما يطرح معضلاته ومشكلاته العميقة بصوت عالٍ في الفضاء العام. ولعل هذا الانكفاء يعود أساساً إلى طبيعة المؤسسة الأكاديمية، التي لا تتعامل بمرونة كافية أو سرعة مطلوبة مع التحديات الطارئة والمستحدثة.

واليوم، يبرز الغش الأكاديمي كأحد أكبر التحديات المصيرية التي تواجه الجامعات على الصعيد العالمي؛ إذ إن الثورة التكنولوجية الراهنة في مجال الاتصال والتواصل لم تعد تخدم دائماً التوغل الأعمق والأشمل في المعرفة فحسب، بل أصبحت أداة للالتفاف عليها.

وفي هذا السياق، ترصد المحافل الجامعية الدولية حالات غش نوعية وغير مسبوقة تاريخياً، حيث تحول الأمر من مجرد محاولات فردية بدائية إلى معضلة هيكلية منظمة ومشفوعة بأدوات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات اللاسلكية الدقيقة، وصولاً إلى النظارات الذكية.

إن هذا الخطر الداهم يمثل مساساً مباشراً بنزاهة الشهادات العلمية، واعتداءً صارخاً على مصداقية النجاح والاستحقاق؛ الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى إفراغ المؤسسة الجامعية من هيبتها الرمزية وقداسة وظيفتها المعرفية. ورغم الخطورة البالغة لظاهرة الغش وتداعياتها المتشعبة، فإن النقاش الأكاديمي حول هذه المعضلة لا يزال شحيحاً وخافت النبرة، مدفوعاً بقلق المؤسسات من تدهور سمعتها وصورتها الاعتبارية، وخوفاً من تراجع القيمة العلمية لشهاداتها في سوق الشغل.

والملاحظ هنا أن حالات الغش التي تشهد تزايداً مطرداً (سواء في إعداد العروض البحثية، أو مشاريع ختم الدروس، أو حتى في أطروحات الماجستير والدكتوراه) بات يُتعامل معها مع الأسف كأمر واقع، وتخضع لعمليات التقييم وإسناد الدرجات. نلحظ تزايد هذه الظاهرة رغم المحاولات الجادة لتسخير آليات التعامل الصارمة مع حالات الغش في الامتحانات الكتابية الحضورية، من خلال تكنولوجيا مضادة للتشويش وقطع الاتصال عن الأجهزة الدقيقة داخل القاعات.

ومن أبرز الشواهد الدولية المتداولة في هذا الصدد، ما حدث في واقعة شهيرة بجامعة «كورنيل» الأميركية؛ حيث نجح أستاذ مادة التاريخ في إيقاع 91 في المائة من طلابه في فخ الانتحال الأكاديمي، بعدما أدرج تعليمة خفية (مكتوبة بخط أبيض غير مرئي للعين المجردة) داخل ملف الامتحان، تأمر برمجيات الذكاء الاصطناعي بإدراج كلمات عشوائية مقحَمة، مثل كلمة «مدغشقر»، لينتهي الأمر بوجود هذه الكلمة الغريبة في إجابات معظم الطلاب الذين اتكلوا على الآلة.

تؤكد هذه الحادثة وجود مشكلة بنيوية خطيرة تتقاسمها الجامعات عالمياً، وليست مؤسساتنا التعليمية العربية في معزل عنها، بل إنها من أكثر الأطراف تضرراً منها.

وبما أن هذه الأزمة تمسّ جوهر النزاهة العلمية التي تشكل مبتغى الطالب ومبرِّر وجود الجامعة، فإن مواجهتها تستوجب سحب البساط من تحت أقدام التكنولوجيا، وقطع الطريق على المقاربات التواكلية التي تراهن على الزيف لتحقيق النجاح.

ولعلَّ بنات وأبناء الأجيال السابقة يتذكرون جيداً القيمة الاعتبارية والمعرفية الكبرى التي كانت تحظى بها الامتحانات الشفوية في المنظومة الجامعية، وكيف كانت تشكل صمام أمان يحمي كثيراً من الطلبة المجتهدين من عواقب التقييمات الكتابية الجافة.

إن نظام الامتحانات الشفوية يتيح للهيئة التدريسية قياس عمق الفهم الحقيقي، والوقوف بدقة على مستويات المعرفة، فضلاً عن دورها الجوهري في تدريب الطالب على مهارات التعبير، والإقناع، واستحضار الحجج والمسوغات المعرفية المرتبة منطقياً.

وبذلك، يتحول الاختبار الشفوي إلى تمرين اتصالي وتواصلي رفيع يُعِدّ الطالب بامتياز لسوق العمل ولتحديات الحياة المهنية؛ إذ إن الإجابة المباشرة عن سؤال الأستاذ تحفز كفايات الطالب الذاتية، وتدفعه لتقييم واقعي وحقيقي لرأسماله المعرفي.

وفي الواقع، يشهد الفضاء الأكاديمي العالمي اليوم يقظة فكرية وتصحيحية نوعية، يتجلى أبرز مظاهرها في العودة القوية والمتسارعة لنظام الامتحانات الشفوية المباشرة والحضورية في كبريات الجامعات بالولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسبانيا، وأستراليا. وفي المقابل، لا تزال جامعاتنا العربية تتردد في اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي بالعودة إلى الاختبارات الشفوية، وكأن العقل الأكاديمي لدينا بات عاجزاً عن استنباط وسائل دفاعية تحمي مصداقية المعرفة والتعليم.

ختاماً، فإن الامتحانات الشفوية، بكل ما تتطلبه من جهد ماراثوني تظل تجربة ذات متعة خاصة وأثر عميق في مسيرة الطالب. إنها لبنة أساسية في تشكيل ذاكرة المسار الجامعي، وأداة حاسمة تضمن صقل شخصية الطالب، وتطوير مهاراته الذاتية، وصون قيمة العلم من الابتذال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجامعات في مأزق الجامعات في مأزق



GMT 04:16 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 04:11 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

GMT 04:08 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

من مفارقات هذا الزمان

GMT 04:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 03:43 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 03:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 03:24 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 03:11 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 02:39 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

كلوب يعلن أول قائمة لمنتخب ألمانيا في سبتمبر

GMT 18:52 2026 الخميس ,13 آب / أغسطس

أكرم توفيق ينضم لمعسكر الأهلى فى إسبانيا

GMT 17:56 2026 الثلاثاء ,18 آب / أغسطس

برشلونة يعلن تعاقده مع رودري حتى 2030
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib