الكفر بالوطن

الكفر بالوطن!

المغرب اليوم -

الكفر بالوطن

آمال موسى
بقلم : آمال موسى

أثناء الانفجار الهائل الذي هز بيروت وأوقعها في مشهد من الخراب والحزن، بلغ الانفعال بعدد من اللبنانيين إلى إعلان أن الهجرة أرحم من البقاء في لبنان وأن لبنان لم يعد المكان الآمن. هذا الخطاب الذي حاولتُ تهذيبه وغض الطرْف عما تضمنه من كفر بالوطن، أصبح ظاهرة في بلدان عربية كثيرة. ففي تونس يتكرر هذا الخطاب بين من يبحث عن أفق لمغادرتها وبين رافض للعودة إلى أرض الوطن.
وأحياناً نسمع كلاماً في تجريح تونس الوطن أو لبنان الوطن أو..... يقشعر له البدن ونصعق من شدة الاحتقان والكفر الشديد بشيء اسمه وطن. وفي مقابل ذلك فإن هذا الخطاب نكاد لا نسمعه من مجتمعات غير عربية وإسلامية.
الواضح أن علاقة شعوبنا بالوطن تعاني من وهن ومن عطب عميق. السؤال مَن أفسد هذه العلاقة وما هي الالتباسات التي وقعت في فخها؟
لنبدأ بالسؤال الثاني: نلاحظ أن هناك نوعاً من الاندغام بين الطبقة الحاكمة والوطن. أي أن الذين يحكمون في بعض البلدان أصبح الناس يتعاملون معهم على أنهم هم الوطن. لذلك فإن حالة الإحباط السياسي التي يعاني منها هؤلاء من إخفاقات الطبقة السياسية الحاكمة هناك من يحولها في وجه الوطن وشحنته الرمزية. أي أن الأوطان تعرف إسقاطات سلبية لا يد لها فيها.
وبناء عليه يمكننا أن نستنتج هول تداعيات الفشل السياسي، خاصة الذي يقترن بالفساد واللامبالاة وبالحسابات غير الوطنية. فالنتيجة قاسية وموجعة باعتبار أن بلوغ الفرد نقطة الكفر بالوطن يعني أنه فرط في قطعة من جسده وتنازل عنها وقطع عضواً عزيزاً يمنحه الحياة الطبيعية.
فالسياسة في بلداننا تجاوزت الانتقادات التي كنا نوجهها لها في العقود الماضية وانتقلت إلى منطقة حمراء خربت فيها تمثلات الوطن وأنتجت حالة شعورية معقدة وغير طبيعية، حيث إن حب الوطن يعني حب الانتماء ويعني الاعتزاز ويعني أن المسار التاريخي للحب يبدأ بالوطن ويتفرع نحو روافد أخرى تنهل منه وتصب فيه.
وهكذا يتضح لنا أن هناك نخباً سياسية حاكمة قد أفسدت علاقة الشعوب بوطنها ومن ثم فقد أسهمت في خلق أجيال معطوبة في وجدانها وينقصها أهم دروس الانتماء وهو درس الانتماء للوطن.
إذن بعيداً عن انتقاد خطاب تهجين الأوطان والكفر بالوطن فإننا نتوقف عند بعض أفكار أهمها أن الاعتقاد في الوطن وتقديس علاقة الانتماء به ليست ثابتة ومقدسة بل هو شعور يخضع للتأثيرات الإيجابية كما السلبية، مما يجعل من حب الوطن ليس أمراً بديهياً مع الأسف بقدر ما هو نتيجة وتفاعلية إيجابية يمكن أن تكون وتكبر ويمكن أن تتلاشى بفعل الإحباطات.
طبعا في تراثنا العربي نجد ما يشير إلى تمجيد الغربة أحيانا وفي تمجيدها استبطان لتهجين الانتماء للوطن ولمسقط الرأس. كما أن تاريخنا المبني على الرحيل بحثاً عن الماء والنبات وما يسد الرمق، سطر ذاكرة تتجاذب بين الاستقرار والهجرة والتنقل. الانتماء كان يعني القبيلة ثم العرق ثم الدين، وعهدنا بفكرة الوطن ليس قديماً بشكل يسمح لها بالتغلغل في الوجدان، بل إن الأوطان في بعدها الجغرافي هي حديثة التقسيم؛ فمن كان ينتمي إلى بلاد الشام بات عليه منذ عقود قليلة جداً أن يحدد أي قطعة في بلاد الشام هي وطنه.
وحتى غرس ثقافة حب الوطن وكيفية البناء الرمزي للعلاقة بالوطن لم تتعهدهما المدرسة بشكل معمق، وارتبط إنتاج الشعر الوطني والأغاني الوطنية بالمناسبات السياسية والانتماء السياسي، الأمر الذي أضفى على المنتوج الفني الخاص بتيمة الوطن شيئا من النفاق لأن السياسة ذاتها في بعض بلادنا على امتداد العقود الماضية اعتمدت بنيويا على التزلف والنفاق.
وكدليل على هذا الكلام أن الكثير من الأغاني المصنفة وطنية في تونس وتم إنتاجها في مرحلة حكم رئيس سابق قد تمت مقاطعتها في وسائل الإعلام وتم التعامل مع أصحابها المطربين بمسافة واتهامات.
يبدو لي أننا نحتاج إلى تفكيك راهن العلاقة بالوطن وتخليص هذه العلاقة من الشوائب والالتباسات وذلك بتعزيز المؤسسات المعنية ببناء العلاقة بالوطن مثل المدرسة وكل ما يخص الإنتاجات الثقافية.
من جهة ثانية قد أصبح مؤكداً أنه لا يمكن أن يستمر الواقع السياسي المستخف بالشعوب وكشفت التجارب المريرة أهمية السياسة في تشويه الإنسان في بلداننا. فكل فرد يعاني من الإقصاء والتهميش ولا ينعم بالحد الأدنى من الكرامة في وطنه هو مشروع عدو لوطنه وليس عاشقاً كما يجب أن يكون. بمعنى آخر فإن العاطل عن العمل هو يعاني من عدم الاعتراف به اجتماعياً فيكون الاحتجاج والانشقاق عن الوطن.
إن تبرير حالة الكفر بالوطن والبحث عن الأسباب التي أنتجتها لا يجعلان من هذه الحالة مقبولة لأن بلوغها يعني تمرير خطاب سلبي وفقير للأجيال القادمة، ويعني أن أوطاننا على كف الاحتقان والانشقاق والكراهية. فكل شيء كي يدوم يحتاج إلى الحب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكفر بالوطن الكفر بالوطن



GMT 12:21 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

أوروبّا وحديث ما بعد ميونيخ

GMT 12:19 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

قائمة أعمال الوزارة

GMT 12:13 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

حرب عناوين ومواعيد

GMT 12:06 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

الحرب والشعور المخادع

GMT 12:03 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

حرب عناوين ومواعيد

الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان - المغرب اليوم

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان
المغرب اليوم - تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 19:48 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي
المغرب اليوم - دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي

GMT 03:53 2025 الإثنين ,10 شباط / فبراير

التشكيلة الرسمية للوداد الرياضي أمام الحسنية

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 06:19 2025 الثلاثاء ,26 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 26 أغسطس /آب 2025

GMT 10:14 2019 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على فوائد بذور الكتان للشعر وللعناية به

GMT 11:11 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

اطلاق مشروع "مدينة جميرا ليفينغ" السكني في دبي

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 04:36 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

وزير الرياضة يؤشر على عودة الدوري المغربي

GMT 07:37 2020 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

شركة فرنسية تعلن عن أول دواء لعلاج كورونا

GMT 19:37 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

5 نصائح شائعة خاطئة بين السائقين تضر بالسيارة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib