حملات التطعيم حملات انتخابية أيضاً

حملات التطعيم حملات انتخابية... أيضاً

المغرب اليوم -

حملات التطعيم حملات انتخابية أيضاً

آمال موسى
د. آمال موسى

منذ أسابيع وحملات التطعيم ضد «كوفيد - 19» وإبرام العقود مع الشركات الصانعة للقاح على قدم وساق. الدول التي تعود لها الشركات سواء في بريطانيا أو ألمانيا أو روسيا أو الصين تبوأت الصدارة، فهي من جهة تمكنت من الحل، وهي دول ابتكار اللقاح وتصديره من جهة ثانية، مع ما يعنيه ذلك من رمزية سيذكرها المستقبل عندما يمسى تاريخاً يروي للأجيال القادمة تجربة العالم المضنية مع فيروس «كورونا» والدول التي تزعمت إنقاذ الإنسانية.

في مرتبة ثانية نجد دولاً غنية كانت سباقة في إبرام العقود مع الشركات التي اختارتها وفق معايير تناسبها وانطلقت في حملات التطعيم حسب استراتيجية تكاد تكون موحدة بين كل الدول التي بدأت في تطعيم مواطنيها والمتمثلة في توزيع حملات التطعيم على مراحل تشمل الإطار (الكادر) الصحي ثم كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة وصولاً إلى الأكثر شباباً وصحة.
ونجد أيضاً دولاً ليست غنية ولكنها جعلت من الحصول على كمية من اللقاح أولوية من أولوياتها، وبدأت هي أيضاً في حملات التطعيم حتى وإن كانت حملات خجولة.

أيضاً هناك من أبرم العقود وحدد الشركات أو الشركة التي اختار التعامل معها أو لنقل الشراء منها وما زال ينتظر دوره، وفي الوقت نفسه يراقب بحذر وصمت كيف تُجرى حملات التطعيم في العالم.

ومع كل هذه الصور المتشابهة والمختلفة من الدول نجد بعض الدول التي ظلت مكتوفة الأيدي، حيث لم تبرم اتفاقاً ولم توفر ميزانية لجلب اللقاح، وهي الدول التي وصفت بالفقيرة التي اختارت التعويل على رقة قلب الدول الغنية والدول القوية.
ونعتقد أن أهمية توفير كل دولة لمواطنيها اللقاح والخروج من وضعية عنق الزجاجة التي أعاقت الحياة عملاً واقتصاداً يقودنا للتوقف عند مسألتين اثنتين ستكونان من نتاج أداء الدول في علاقته بتوفير اللقاح لشعوبها من عدمه.

سنوضح أكثر فكرتنا: بالنسبة إلى المسألة الأولى فيمكن القول إن كل نخبة مسؤولة في أي دولة من دول العالم في زمن الجائحة سيتحدد مصيرها السياسي الراهن، وأيضاً أصوات الناخبين الذين سيكونون لفائدتها في الانتخابات المقبلة لأي دولة بمدى نجاحها في تطعيم السكان وإيقاف انتشار فيروس «كورونا». بمعنى آخر فإن حملات التطعيم هي حملات انتخابية مقنّعة سابقة لأوانها أيضاً.

ويمكن أن نستنتج في السياق ذاته أن توفير اللقاح للمواطنين يمثل المضمون الجديد للمشروعية السياسيّة لكل مؤسسات الدولة الحاكمة اليوم وتحديداً الحكومات. وبناء عليه فإن الدولة العاجزة حالياً عن الانطلاق في حملات التطعيم والتي غير مدرجة على الأقل في قائمة انتظار الحصول على نصيبها المدفوع الأجر مسبقاً، تبدو اليوم وكأنها فاقدة للشرعية السياسية أو هي في طريقها إلى ذلك.
هناك حرج كبير تعيشه اليوم الدول الفقيرة والأخرى التي لم تكن سباقة واستراتيجية في ضمان حصتها من اللقاح وتوفير اللازم مادياً ومالياً ولوجيستياً ودبلوماسياً للحصول عليه وإشباع توقعات شعبها من الحق في الصحة والحياة.

سأحاول تبسيط المشهد الدولي الراهن في هذه الصورة: أب أخذ أطفاله إلى مغارة كبيرة وأغدق عليهم أحلى الثياب وأكثرها رقياً. وأب آخر واقف مع أطفاله أمام المغارة ذاتها لا يملك المال لشراء ملابس لأطفاله وينظر إلى الأب الميسور الحال ولأطفاله الفرحين.

هذا ما يحدث مع الفارق أن الأب هو الدولة والأطفال هم الشعب. لقد طرحت حملات التطعيم في أكثر من دولة مسألة الكرامة في الميزان. توفير الدولة اللقاح حالياً لمواطنيها هو حفظ لكرامتها كشخصية معنوية ذات هيبة وحفظ لكرامة مواطنيها أمام شعوب العالم التي بصدد التطعيم.
المسألة الثانية التي نود التوقف عندها سريعاً وتلميحاً تتعلق بما يحصل بشكل غير مباشر وصامت من إعادة ترتيب موازين القوى والفاعلية والقوة في العالم. فبعض الدول التي أبرمت عقوداً لشراء اللقاح فهمت هذا الحراك الذي بصدد الحدوث، وحددت وجهة اختيار الشركة بناء ليس فقط على اللقاح، بل وأيضاً على الدولة الحاضنة للشركة المنتجة للقاح. فمن اختار اللقاح الروسي فقد اختار اللقاح وروسيا، ومن اختار اللقاح الصيني فالصين أيضاً في ميزان حساباته ورهاناته. أي أن اللقاح قدم لنا شكلاً جديداً من أشكال التبعية التي تبدو في ظاهرها لا تتجاوز اللقاح ومواصفاته ومرونة الحفاظ عليه واستعماله وتسهيلات تسديد مستحقاته المالية، ولكن في المخفي وغير المعلن هو اختيار سياسي وموقف من ترتيب الدول الحاكمة في العالم بدرجات.
إننا في لحظة دقيقة عالمياً وبعدها سيكون العالم بيد من أجاد فهم هذه اللحظة. وما نشاهده من سباق على اللقاح لا يختلف عن السباق على الأسلحة. فقط موطن الاختلاف يكمن في أن السخي باللقاح أو بالمال لشراء اللقاح سيضمن التبعية له وسيكتب اسمه بماء الحياة في ذاكرة الشعب المعني بالسخاء.

اللقاح للحكم داخل الدولة وخارجها. واللقاح لتسويق صورة الدولة الفارسة السخية والبرهنة على درجة عالية من الأنسنة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حملات التطعيم حملات انتخابية أيضاً حملات التطعيم حملات انتخابية أيضاً



GMT 06:15 2025 الخميس ,25 كانون الأول / ديسمبر

ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا؟

GMT 05:54 2025 الخميس ,25 كانون الأول / ديسمبر

مقتل الديموغرافيا

GMT 05:51 2025 الخميس ,25 كانون الأول / ديسمبر

فتنة الأهرامات المصرية!

GMT 05:49 2025 الخميس ,25 كانون الأول / ديسمبر

لماذا أثارت المبادرة السودانية الجدل؟

GMT 05:46 2025 الخميس ,25 كانون الأول / ديسمبر

هل انتهى السلام وحان عصر الحرب؟!

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 12:11 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

نجوي إبراهيم تكشف حقيقة إصابتها بالشلل في حادث بأميركا
المغرب اليوم - نجوي إبراهيم تكشف حقيقة إصابتها بالشلل في حادث بأميركا

GMT 01:02 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

الموريتاني دحان يقود حكم مباراة المغرب والكاميرون رسميا
المغرب اليوم - الموريتاني دحان يقود حكم مباراة المغرب والكاميرون رسميا
المغرب اليوم - خبراء يتوقعون تحول الصحافة إلى محادثة مع الذكاء الاصطناعي

GMT 19:24 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

الذكاء الاصطناعي يكتشف السكري وسرطان المعدة من الفم
المغرب اليوم - الذكاء الاصطناعي يكتشف السكري وسرطان المعدة من الفم

GMT 00:39 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

وزارة الدفاع السورية تعلن وقف إطلاق النار في أحياء حلب
المغرب اليوم - وزارة الدفاع السورية تعلن وقف إطلاق النار في أحياء حلب

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:18 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحمل" في كانون الأول 2019

GMT 08:46 2025 الأحد ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

فستان الكاب لإطلالة تمنح حضوراً آسراً في السهرات

GMT 00:23 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

تعرف على السيرة الذاتية للفنانة المغربية أميمة باعزية

GMT 17:38 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

الرجاء يهدد بالتشطيب على منخرط بارز

GMT 01:08 2021 الإثنين ,02 آب / أغسطس

انطلاق أول دوري سعودي للنساء للكرة الطائرة

GMT 05:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

مناخا جيد على الرغم من بعض المعاكسات

GMT 18:20 2020 الخميس ,13 شباط / فبراير

تطورات جديدة ومثيرة في قضية "حمزة مون بيبي"

GMT 17:45 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

المنتخب المغربي النسائي يواجه بوركينافاسو في كأس أفريقيا

GMT 05:02 2017 الثلاثاء ,17 كانون الثاني / يناير

الرؤساء الذي تعاقبوا على مجلس النواب منذ 1963
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib