عن غزّة وفلسطين و7 أكتوبر

... عن غزّة وفلسطين و7 أكتوبر

المغرب اليوم -

 عن غزّة وفلسطين و7 أكتوبر

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

لم ترتفع إلاّ أصوات قليلة، مبعثرة ومتردّدة، في وجه «خطّة ترمب» لإنهاء حرب غزّة. وهذا ليس مردّه إلى اقتناع تلك الأصوات بها، أو إلى كمال فيها يبرّئها من كلّ عيب. لكنّ الخطّة إذا كانت قابلة للطعون، وهي كذلك، ففي الماضي القريب كان ما هو أقلّ كثيراً منها يُشعل الأهاجي، ويذكّرنا بما أنزله بنا «الرجل الأبيض» على امتداد تاريخ مديد أسود.

بطبيعة الحال سوف يكون من الصعب التشهير بخطّة تقدّم نفسها طريقاً إلى وقف الموت، ونعرف أنّ الإباديّة الإسرائيليّة في غزّة أوغلت في القتل على نحو لم يَحلْ استفظاعه دون استمراره، كما سيكون صعباً التشهير بما تتواضع أغلبيّة فلسطينيّة واضحة على تثمينه والتمسّك به. مع هذا فإنّ الذين كانوا يغضّون، في العادة، النظر عن الموت باسم «القضيّة»، بل يوقدون نار «القضيّة» بموتى مرغوبين، من غير أن يعبأوا بتاتاً برغبات الفلسطينيّين، تغيّرَ سلوكهم على نحو ملحوظ هذه المرّة.

ولا تسمح المعرفة بمعظم هؤلاء وبعواطفهم أو طرقهم في التفكير بافتراض أنّ تجنّب الموت كان دافعهم إلى الصمت، أو حتّى إلى إعلان القبول والموافقة. وأمّا الافتراض الأشدّ ترجيحاً فأنّ «القضيّة» ذاتها باتت، بحسب ما آل إليه توازن القوى الراهن، تعاني وَهَناً يكاد يستحيل شفاؤها منه. ومن تفرّعات ذلك أنّ الدفاع عن وجود «حماس» في غزّة صار هو ذاته مهمّة مستحيلة، على ما يرى حتّى بعض أصدقاء «حماس»، فيما غدا التخلّص من هذا الوجود أقرب إلى إجماع إقليميّ ودوليّ. كذلك بات من فضائل الممانعين، ولم يكونوا مرّةً مُقلّين في الوعود والتعهّدات اللفظيّة، ممارسة الخَرَس الذي ينمّ عن انعدام القدرة على القول، ناهيك عن انعدام الخطط والاستراتيجيّات من كلّ نوع.

وبلوغ الأمور هذا الدَرَك هو ما أتاحه بكفاءة «طوفان» السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي مرّت ذكراه الثانية يوم أمس، والذي سبق لمُمجّديه الكثيرين أنّ أسبغوا عليه صفات أقلّها بثّ الحياة في «القضيّة»، وليس أكثرها «تحرير فلسطين من النهر إلى البحر».

وها نحن اليوم أمام حالة يتصدّرها العنوان الإنسانيّ فيما يضمر عنوانها السياسيّ ويتضاءل، بل ربّما بِتنا أمام سكّان فلسطينيّين من دون قضيّة فلسطينيّة، أي أمام بشر مقهورين ومعذَّبين يستحقّون أن تُكتب لهم حياة لائقة بالبشر وأن يُرفع عن رؤوسهم سيف القتل الإسرائيليّ. ولسوف تتواصل بالتأكيد الجهود السياسيّة، العربيّة والدوليّة، لإقامة دولة فلسطينيّة، إلاّ أنّ بلوغ الهدف هذا بات، بعد 7 أكتوبر وبسببه، أصعب كثيراً، وبلا أيّ قياس، ممّا كان من قبل.

بيد أنّ ذاك «اليوم المجيد» كان أشبه بتتويج بالغ البشاعة لتاريخ «القضيّة» المأسويّ في وجهه الأكثر إظلاماً، أي ذاك الوجه الذي ربطها بالحروب الأهليّة وبالمقاومة العسكريّة، في موازاة ربط المقاومة تلك بأنظمة الممانعة القوميّة والإسلاميّة، ودائماً الأمنيّة. وهذا بينما حظي الوجه السياسيّ لـ «القضيّة»، والذي تُوّج بمؤتمري مدريد ثمّ أوسلو، بالتقبيح والإدانة المتواصلين.

هكذا، ومثلما كان لهزيمة 1967 أن أحلّت شعار «محو آثار العدوان» محلّ شعار «تحرير فلسطين»، استأنف القضم عمله بحيث حلّ «الإنسانيّ»، في يومنا هذا، محلّ «السياسيّ»، وحلّت غزّة محلّ فلسطين.

أمّا «القضيّة» التي ما زالت قائمة فهي «قضيّة» النظام الإيرانيّ التي باتت تواجه العالم من دون حزام «القضيّة الفلسطينيّة». فهي، ومعها ملحقاها اللبنانيّ واليمنيّ، أضحت هي نفسها خطّ دفاعها الأخير عن نفسها. وهذا بذاته إنّما ينمّ عن دمار الخطّة التي طوّرتها ثورة إيران ونظامها وعن الهباء المنثور الذي انتهت إليه المليارات التي أنفقت للغرض هذا والجهود التي بُذلت في سبيله.

وأغلب الظنّ أنّ الانتقال من المرحلة السابقة ذات التخمة شبه الأمميّة، العابرة للحدود والمُصدّرة للثورات، التي ظهرت بواكيرها مع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، إلى المرحلة الراهنة حيث تكاد تنحصر «الثورة» في بلد واحد، سوف تكون لها تأثيراتها الكبرى التي يصعب أن ينجو منها الداخل الإيرانيّ نفسه.

لكنّ إسرائيل بدورها قد تدفع، في حال نجاح الخطّة الأميركيّة، أثماناً لا تسلبها انتصارها العسكريّ، وإن كانت تضبطه، لكنّها لا تتجاهل هزيمتها السياسيّة والإعلاميّة. وفي هذه الحال، وبانتخابات عامّة أو من دونها، يلوح بنيامين نتنياهو ومعه الأحزاب الدينيّة المتطرّفة وقطعان المستوطنين بوصفهم تلك الأثمان المحتملة.

في الحالات جميعاً نقف أمام مستقبل لا يزال الغامض فيه أكثر كثيراً من الواضح. إلاّ أنّ المؤكّد أنّ يوم 7 أكتوبر وما نجم عنه يحضّان على مراجعات جذريّة لم تبدأ بعد، وعلى سياسات وشعارات يشوبها بعض التواضع والإدراك لتوازنات القوى. أكثر من هذا، تبدو منطقة المشرق العربيّ كلّها مدفوعة إلى الانكباب على أزمة وجوديّة وحضاريّة تضربها من أقصاها إلى أقصاها، أزمةٍ يشكّل العنف الإسرائيليّ وما نجم عنه أحد وجوهها، لكنّ من وجوهها الأخرى البارزة تلك «القضيّة» التي سوّغت مقاومة إسرائيل بـ 7 أكتوبر.

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عن غزّة وفلسطين و7 أكتوبر  عن غزّة وفلسطين و7 أكتوبر



GMT 12:53 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

تزوير الكتب واغتيال القوة الناعمة

GMT 12:51 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الجنرال ثلج.. قصة في تاريخ الروس

GMT 11:28 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 11:26 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

مَن رفع الغطاء عن سيف؟

GMT 06:49 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

بقعة خلف بقعة

GMT 06:47 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الملك فاروق... إنصافٌ متأخر

GMT 06:45 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في مصلحة مَن تقسيم إيران؟

أصالة نصري بإطلالات شرقية تجمع الفخامة والوقار

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 17:53 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شاومي تستعد لهاتف فائق النحافة لمنافسة iPhone Air وGalaxy Edge

GMT 13:35 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 16:11 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تثق بنفسك وتشرق بجاذبية شديدة

GMT 10:50 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

أحدث صيحات قصات الشعر المجعد

GMT 17:53 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

تعرف على عدد السيارات التي أنتجتها فولكس فاجن في 2017

GMT 18:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:53 2018 الأربعاء ,12 أيلول / سبتمبر

هزة أرضية تضرب مدينة حلبجة شمال العراق الأربعاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib