حكومة لبنان الجديدة بين مخاطر المكابرة وفرص التوافق

حكومة لبنان الجديدة بين مخاطر المكابرة وفرص التوافق

المغرب اليوم -

حكومة لبنان الجديدة بين مخاطر المكابرة وفرص التوافق

إياد أبو شقرا
بقلم : إياد أبو شقرا

إزاء الاعتراض المرير من «الثنائي الشيعي» في لبنان على تكليف الدكتور نوّاف سلام بتشكيل الحكومة المقبلة، بادر سلام إلى طمأنته بالقول إنه ينطلق من خياري: «التفاهم» أو ... «التفاهم»!

لا استسلامَ إذن لاحتمال الفشل، وأيضاً لا رغبة في التشفّي والإقصاء... وفق تعبير محمد رعد، رئيس الكتلة البرلمانية لـ«حزب الله». وهذا موقف ينسجم مع ما هو معروف عن الرئيس المكلّف والرجل الرصين والمثقف، ناهيك بالملمّ تماماً بأوضاع منطقة الجنوب، سواءً من واقع امتلاك أسرته «البيروتية» أراضي واسعة في المنطقة الحدودية بقضاء صور أو كونه صهراً لمدينة صيدا عاصمة الجنوب وكبرى مدنه...

أكثر من هذا، نوّاف سلام لم يأتِ - وما كان مضطراً لأن يأتي - من أجل تصفية الحسابات مع «المقاومة»، وهو الدبلوماسي والقاضي الدولي الذي تصدّى بشجاعة ومبدئية لليكوديي إسرائيل من أرفع مرجعيتين دوليتين، هما مجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية. بل، وتعزيزاً لمكانة الجنوب في المعادلة السياسية الجديدة، فإن سلام عبر تولّيه رئاسة الحكومة سيقود السلطة التنفيذية مع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ... الذي بات أول جنوبي ينتخب رئيساً للجمهورية في تاريخ لبنان المستقل.

الصورة، على هذا الأساس، ينبغي أن تكون واضحة.

نعم، ينبغي... ولكن أين يمكن أن تكمن المشاكل؟

الاعتراضات الشيعية المبكّرة جاءت مؤشراً غير مطمئن، لا سيما أنها انطلقت من ثلاث تهم كبيرة مترابطة ومرتبطة بمناخ ما بعد حرب إسرائيل الأخيرة على «حزب الله»، وهي: «الغدر» بـ«المقاومة» - أي «حزب الله» وقاعدته - والاستقواء عليهما بالخارج (!)، والعمل على «تهميش» النفوذ الشيعي بدءاً بإقصائه عن التشكيلة الوزارية العتيدة.

مفهومٌ أن «الجرح»، الذي خلّفته الحرب العدوانية الإسرائيلية، جرح واسع وملتهب «شُقّ» في جسد الحزب وسط رعاية أميركية غير مسبوقة لإسرائيل. ثم إنه كان سهلاً على واشنطن الدفاع عن تلك الحرب في الغرب بالزعم أن «حزب الله» لم يكن هذه المرة يدافع عن نفسه، ولا يقاوم احتلالاً لأرضه، بل اتخذ قرار الحرب - من دون التنسيق مع الدولة اللبنانية - تضامناً مع حركة «حماس» في غزة.

وطبعاً، على الرغم من المجازر الفظيعة وجرائم التهجير التي صاحبتها في غزة، زعمت السردية الأميركية - الإسرائيلية أن الحرب العدوانية الإسرائيلية كانت «رداً دفاعياً» إسرائيلياً على «اعتداء» من «حماس» على «مدنيي» غلاف غزة في عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023!

وهكذا، برّر اختلال الحسابات السياسية، بدءاً من «حماس» وانتهاء بـ«حزب الله»، في واشنطن - وبالذات في سنة انتخابات رئاسية أميركية - ليس دعم آلة الحرب الإسرائيلية فحسب، بل فتح «مزاد» بين الحزبين الأميركيين الجمهوري والديمقراطي لكسب رضى «اللوبي الإسرائيلي». وفي النهاية، أهدى هذا «المزاد» اليمين الجمهوري، المنسجم كلياً مع «الليكود»، انتصاراً ضخماً.

في مطلق الأحوال، ومن دون الخوض طويلاً في الاعتبارات الإيرانية التي ساهمت في «طوفان الأقصى» ثم «حرب (حزب الله) الإسنادية»، يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم أمام واقع سياسي جديد. وأبرز ملامح هذا الواقع استعادة المواطن اللبناني قراره على الرغم من تعدد القراءات وتضارب المصالح الحزبية والطائفية الصغيرة.

منذ عقود أحكم «حزب الله»، ومن خلفه إيران وإلى حد بعيد نظام الأسد، هيمنته بحجة المقاومة. واحتفظ الحزب، بخلاف كل الميليشيات الحزبية والطائفية اللبنانية الأخرى، بسلاحه الخاص خارج السلطة حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. ومع هذا، حتى 2005 لم يجد اللبنانيون الوطنيون سبباً وجيهاً لافتعال أزمة داخلية مع مكوّن لبناني - كان جغرافياً الأقل - في خط المواجهة المباشرة مع إسرائيل.

ومع أن اللبنانيين كانوا يدركون حقيقة ارتباطات الحزب العقائدية والاستراتيجية مع «الخارج»، وتحديداً إيران، فإنهم لم يطرحوا علامات استفهام جدية حول دوره ومطامحه، إلا بعد سلسلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال عام 2004. ولاحقاً تأكدت الصورة تماماً بعد حرب 2006، ثم «غزوتي» بيروت والجبل، واحتلال وسط بيروت من أجل فرض ميشال عون رئيساً.

قادة الحزب الذين اتهموا بالأمس القوى التي أوصلت جوزيف عون ثم نواف سلام إلى قمتي السلطة التنفيذية، بالرضوخ لإملاءات الخارج، اختاروا أن يتناسوا دور «الخارج» في فرض فائق القوى لصالحهم الذي انعكس على كل مفاصل الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية والقضائية في لبنان. وأيضاً، تجاهلوا أن النواب وغيرهم من الساسة ساروا هذه المرة وللمرة الأولى وفق مزاج الشارع...

الشارع الذي شعر بوقع نكسة «حزب الله» الأخيرة، فاحتضن بيئته بلا تردد أو منّة...

الشارع الذي ارتاح من الكابوس الذي شكله نظام دمشق عليه منذ النصف الثاني من عقد السبعينات، ومع ذلك انفتح على الحزب رغم دوره السلبي بحق السوريين.

الحقيقة، بكل بساطة، أن الشارع اللبناني ضد الإقصاء والعزل والتهميش... لكنه يأمل من «حزب الله» فتح صفحة جديدة عنوانها المواطنة لا المكابرة، والشراكة لا الاستعلاء، والتوافق لا الهيمنة!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حكومة لبنان الجديدة بين مخاطر المكابرة وفرص التوافق حكومة لبنان الجديدة بين مخاطر المكابرة وفرص التوافق



GMT 00:39 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

يوسف شاهين انتحر حبًا في فاتن!!

GMT 00:37 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

الثورة المغدورة (1)

GMT 00:34 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

مع قهوة الصباح

GMT 00:28 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 00:26 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 00:20 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

سفر الخروج

GMT 00:14 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

إيران بين نصفي قرن

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - المغرب اليوم

GMT 18:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

7 ممارسات تدعم الصحة النفسية وتعزز المرونة
المغرب اليوم - 7 ممارسات تدعم الصحة النفسية وتعزز المرونة

GMT 15:31 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إياد نصار يكشف وجوه الاحتلال الإسرائيلى فى صحاب الأرض
المغرب اليوم - إياد نصار يكشف وجوه الاحتلال الإسرائيلى فى صحاب الأرض

GMT 05:14 2025 الأربعاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الأربعاء 22 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 12:57 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس السبت 26-9-2020

GMT 20:07 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 05:40 2017 الأربعاء ,23 آب / أغسطس

العلماء يكشفون عن أضرار المنظفات والمطهرات

GMT 03:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

14 مكانًا حول العالم تشبه مدينة "البندقية" الإيطالية

GMT 23:05 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

فرجاني ساسي يعتذر بعد تصرفه في مباراة المغرب

GMT 20:17 2014 الجمعة ,21 آذار/ مارس

21 حزيران / يونيو - 21 تموز / يوليو (2)

GMT 11:58 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

وزارة الثقافة المصرية تستضيف معرض الخزف الجوال

GMT 06:28 2015 الإثنين ,12 تشرين الأول / أكتوبر

مجمع عموري الجزائري يوظف أكثر من 5 آلاف عامل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib