بقلم : طارق الشناوي
كلنا نبحث عن وثيقة، عندما نريد التأكيد على صدق ما نشير إليه، وفى العادة يصبح مثلا حديث الفنان عن واقعة عاشها وكان بطلها بمثابة ختم النسر، يمنح مصداقية لأى شهادة.
تابعت مصادفة بطلين لحكاية واحدة، كل منهما قدمها برؤية مختلفة، لا يعنى ذلك بالضرورة أن أحدهما تعمد الكذب، ولكن أحيانا تختلط المواقف وتتبدل الأسماء دون أن ندرك ذلك.
شاهدت مؤخرا حديثا تليفزيونيا أجرته الفنانة الكبير نجاة- غالبا فى الثمانينيات- تناولت فيه الحديث عن أغنيتها الرائعة (ساكن قصادى)، قالت إنها من الأغنيات القليلة جدا التى لم تعرض عليها فى البداية كما تعودت ككلمات، ولكن الموسيقار محمد عبد الوهاب قدمها لها وهى مكتملة كلحن وحفظتها مباشرة من الأستاذ.
تذكرت أننى قبل نحو 40 عاما استمعت إلى حكاية أخرى بلسان شاعر الأغنية حسين السيد يروى قصة مغايرة تماما، أنه بعد نجاح أغنيته الخفيفة مع شادية (مين قالك تسكن فى حارتنا) والتى قدمت مع بدايات التليفزيون عام 1961 بإخراج محمد سالم، فى فيديو رائع، الأغنية كما ترى تحمل بداخلها روحا ساخرة فى الكلمات وأيضا لحن محمد الموجى يفتح الشهية للابتسام، ناهيك بالطبع عن الأداء الرائع للرائعة شادية.
قال حسين السيد إن نجاة اتصلت وطلبت منه أغنية على غرار (مين قالك) فى بنائها أيضا تنطوى على حكاية تليق بها، طلب منها حسين السيد أن تمهله بضعة أيام، وكتب الوجه الآخر (الحزين)، لأغنية (مين قالك).. هكذا بدأت ملامح أغنية (ساكن قصادى) حالة (تراجيدية)، حسين السيد من أشعر وأمهر كتاب الأغنية وأقدرهم أيضا على سرعة التنفيذ، وهكذا أنهى كتابة الأغنية فى أيام قليلة، وفى أول جلسة مع نجاة، كان ينبغى البحث عن إجابة للسؤال الثانى: من يلحنها؟ ونطق الاثنان فى نفس اللحظة محمد عبد الوهاب.
لو أنت ستوثق لتلك الأغنية، فمن الذى ستعتبره المرجعية لك، نجاة أم حسين السيد؟.
المؤكد أن كلا منهما يروى وهو صادق وموقن أنه يقول الحقيقة ولا شىء غير الحقيقة.
لو سألتنى، سأميل أكثر لرواية حسين السيد، (ساكن قصادى) تبدو فعلا وكأنها الوجه الآخر لـ(مين قالك)، إلا أن هذا لا يعنى أن نجاة تتعمد اختلاق قصة وهمية، ولكن ربما اختلط عليها الأمر بين (ساكن قصادى) وأغنية أخرى قدمها لها عبد الوهاب، خاصة أن نجاة هى المطربة الأولى على خريطة موسيقار الأجيال، التى تغنت بعشرات من ألحانه.
لو راجعت مثلا (تترات) فيلم (بنت الأكابر) بطولة ليلى مراد وزكى رستم وأنور وجدى، ستجد أن (التتر) نسب تأليف كل الأغنيات إلى الشاعر حسين السيد، بينما مثلا أشهر أغنية تناولت (الحج) فى العالم العربى (يا رايحين للنبى الغالى) تأليف أبو السعود الإبيارى.
الكاتب أحمد أبو السعود الإبيارى يحتفظ بالسيناريو الأصلى للفيلم الذى يشير إلى أن والده هو الذى كتب (يا رايحين للنبى)، وتقدم بتلك الأوراق لجمعية المؤلفين والملحنين التى أعادت نسب الأغنية لمؤلفها الأصلى.
ماذا لو أن أحد مؤرخى الأغنية نسبها إلى حسين السيد كما تشير (التترات)؟.. لن يستطيع أحد ببساطة تكذيبه، بينما هو ممسك بوثيقة دامغة.
الوثائق تكذب أحيانا، ليس بالضرورة فى كل مرة عن سبق إصرار، ولكن ربما سهوا.. علينا إدراك أنه لا تكفى وثيقة واحدة، المطلوب مزيد من البحث والتدقيق، حتى لا نتحمل وزر الوثائق الكاذبة!!.